الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٤٦ - باب المحبة
إذا أحب اللّه، عز و جل، العبد قال لجبريل: يا جبريل، إنى أحب فلانا فأحبه؛ فيحبه جبريل، ثم ينادى جبريل فى أهل السماء إن اللّه تعالى قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه اهل السماء، ثم يضع له القبول فى الأرض[١]، و إذا أبغض اللّه العبد قال مالك لا أحسبه إلا قال فى البغض مثل ذلك».
و المحبة: حالة شريفة، شهد الحق، سبحانه، بها للعبد، و أخبر عن محبته للعبد، فالحق: سبحانه، يوصف بأنه يحب العبد، و العبد يوصف بأنه يحب الحق سبحانه.
و المحبة: على لسان العلماء: هى الإرادة، و ليس مراد القوم بالمحبة الإرادة؛ فان الإرادة لا تتعلق بالقديم، اللهم إلا أن تحمل على إرادة التقرب إليه و التعظيم له.
و نحن نذكر من تحقيق هذه المسألة طرفا إن شاء اللّه تعالى؛ فمحبة الحق سبحانه، للعبد إرادته لإنعام مخصوص عليه، كما أن رحمته له إرادة الإنعام، فالرحمة أخص من الإرادة، و المحبة أخص من الرحمة، فارادة اللّه تعالى لأن يوصل إلى العبد الثواب و الإنعام تسمى «رحمة» و إرادته لأن يخصه بالقربة و الأحوال العلية تسمى «محبة».
فاذا تعلقت بالعقوبة تسمى «غضبا»، و إذا تعلقت بعموم النعم تسمى «رحمة» و إذا تعلقت بخصوصها تسمى «محبة».
و قوم قالوا: محبة اللّه سبحانه للعبد، مدحه له، و ثناؤه عليه بالجميل، فيعود معنى محبته له، على هذا القول، إلى كلامه، و كلامه قديم.
و قال قوم: محبته للعبد: من صفات فعله، فهو إحسان مخصوص يلقى اللّه العبد به، و حالة مخصوصة برقيه إليها، كما قال بعضهم: إن رحمته بالعبد نعمة معه، و قوم من السلف قالوا: محبته من الصفات الحبرية، فأطلقوا اللفظ و توقفوا عن التفسير.
فأما ما عدا هذه الجملة مما هو المعقول من صفات محبة الخلق؛ كالميل إلى الشئ، و الاستئناس بالشئ، و كحالة يجدها المحب مع محبوبه من المخلوقين، فالقديم، سبحانه. يتعالى عن ذلك.
[١] - أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه، و الإمام مسلم فى صحيحه أيضا عن أبى هريرة رضى اللّه عنه.