الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢١٨ - باب الخوف
صاحبه ... و أتى عليه مدة من الزمان و لم يسمع منه[١] خبرأ .. فبينا هذا الآخر كان فى غزاة يقاتل عسكر الروم إذ خرج على المسلمين رجل مقنع فى السلاح، يطلب المبارزة .. فخرج إليه من أبطال المسلمين واحد، فقتله الرومى .. ثم خرج آخر فقتله .. ثم ثالث فقتله، فخرج إليه هذا الصوفى .. و تطاردا[٢]، فحسر الرومى عن وجهه، فاذا هو صاحبه الذى صحبه فى الإرادة و العبادة سنين.
فقال هذا له: إيش الخبر؟
فقال: إنه ارتد .. و خالط القوم .. و ولد له أولاد .. و اجتمع له مال.
فقال له: كنت تقرأ القرآن بقراءات كثيرة؟.
فقال: لا أذكر منه حرفا.
فقال له هذا الصوفى: لا تفعل، و ارجع. فقال: لا أفعل، فلى فيهم جاه و مال، فانصرف أنت عنى، و إلا لأفعلن بك ما فعلت بأولئك.
فقال له الصوفى: اعلم أنك قتلت ثلاثة من المسلمين، و ليس عليك أنفة فى الانصراف، فانصرف أنت و أنا أمهلك.
فرجع الرجل موليا .. فتبعه هذا الصوفى، و طعنه، فقتله.
فبعد تلك المجاهدات، و مقاساة تلك الرياضيات، قتل على النصرانية.
و قيل: لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبريل، و ميكائيل، ٨ يبكيان زمانا طويلا، فأوحى اللّه، تعالى، إليهما: مالكما تبكيان كل هذا البكاء؟
فقالا: يا ربنا، لا نأمن مكرك.
فقال اللّه تعالى: هكذا كونا، لا تأمنا مكرى.
و يحكى عن السرى السقطى أنه قال:
إنى لأنظر إلى أنفى فى اليوم كذا مرة؛ مخافة أن يكون قد اسودّ، لما أخافه من العقوبة!!
و قال أبو حفص: منذ أربعين سنة اعتقادى فى نفسى، أن اللّه؛ تعالى، ينظر إلىّ نظر السخط، و أعمالى تدل على ذلك.
[١] - أى عنه.
[٢] - تضاربا.