الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٢٩ - الهيبة و الأنس
الهيبة و الأنس
و هما: فوق القبض و البسط.
فكما أن القبض: فوق رتبة الخوف.
و البسط: فوق منزلة الرجاء.
فالهيبة: أعلى من القبض. و الأنس أتم من البسط، و حق الهيبة الغيبة، فكل هائب غائب.
ثم الهائبون: يتفاوتون فى الهيبة على حسب تباينهم فى الغيبة: فمنهم ... و منهم[١] و حق الأنس: صحو بحق، فكل مستأنس: صاح.
ثم[٢] يتباينون حسب تباينهم فى الشرب[٣].
و لهذا قالوا: أدنى محل الأنس: أنه لو طرح فى لظى لم يتكدر عليه أنسه.
قال الجنيد، رحمه اللّه: كنت أسمع السرى يقول:
يبلغ العبد إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر.
و كان فى قلبى منه شئ، حتى بان لى أن الأمر كذلك.
و حكى أبى عن مقاتل العكى أنه قال:
دخلت على الشبلى؛ و هو ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش، فقلت:
يا سيدى، أنت تفعل هذا بنفسك. و يعود ألمه إلى قلبى!!!
فقال: ويلك، الحقيقة ظاهرة لى و لست أطيقها: فهو ذا[٤]، فأنا أدخل الألم على نفسى؛ لعلى أحس به، فيستتر عنى، فلست أجد الألم، و ليس يستتر عنى[٥] و ليس لى به طاقة:
[١] - أى فمنهم تطول غيبته و منهم من تقصر على حسب هيبته.
[٢] - أى المستأنسون.
[٣] - الحظ.
[٤] - أى: فالسبب هذا.
[٥] - أى ألم الحقيقة.