الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٥٦ - القرب و البعد
فأما المصطلم[١] عن شاهده، المستوفى إحساسه بالكلية، فللبشرية لا محالة حد و إذا بطل عن جملته و نفسه و حسه، و كذلك عن المكونات بأسرها، ثم دامت به هذه الغيبة، فهو محو، فلا تمكين له إذا، و لا تلوين، و لا مقام، و لا حال.
و ما دام بهذا الوصف: فلا تشريف، و لا تكليف. اللهم إلا أن يرد بما يجرى عليه من غير شئ منه، فذلك[٢] متصرف فى ظنون الخلق، مصرف فى التحقيق.
قال اللّه تعالى: «وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ، وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ»[٣] و باللّه التوفيق.
و من ذلك:
القرب و البعد
أول رتبة فى القرب: القرب من طاعته، و الاتصاف فى دوام الأوقات بعبادته.
و أما البعد، فهو التدنس بمخالفته، و التجافى عن طاعته.
فأول البعد بعد عن التوفيق، ثم بعد عن التحقيق، بل البعد عن التوفيق هو البعد عن التحقيق، قال صلى اللّه عليه و سلم، مخبرا عن الحق سبحانه: «ما تقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم، و لا يزال العبد بتقرب إلىّ بالنوافل.
حى يحبنى و أحبه. فاذا أحببته، كنت له سمعا و بصرا، فبى يبصر، و بى يسمع ..
الخبر ..»[٤].
فقرب العبد أولا قرب بايمانه و تصديقه، ثم قرب باحسانه و تحقيقه.
و قرب الحق سبحانه، ما يخصه اليوم به من العرفان، و فى الاخرة ما يكرمه به من الشهود و العيان، و فيما بين ذلك من وجوه اللطف و الامتنان.
[١] - الغائب.
[٢] - أى العبد.
[٣] - آية ١٨ من سورة الكهف.
[٤] - الحديث بتمامه: قال تعالى فى الحديث القدسى الصحيح الذى رواه البخارى:« من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب، و ما تقرب إلى عبدى بشئ أحب إلى مما افترضته عليه، و لا يزال يتقرب إلى عبدى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، و بصره الذى يبصر به، و يده التى يبطش بها، و رجله التى يمشى بها و أن سألنى أعطيته و لئن استعاذنى لأعيذنه».