الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢١٠ - باب الصمت
و ربما كان سبب السكوت الذى يقع على المتكلم. أن بعض الحاضرين كان معلوم اللّه تعالى من حاله أنه يسمع ذلك الكلام، فيكون فتنة له، إما لتوهمه أنه وقته و لا يكون[١]، أو لأنه يحمل نفسه ما لا يطيق فيرحمه اللّه، عز و جل، بأن يحفظ سمعه عن ذلك الكلام، إما صيانة له، أو عصمة عن غلطه.
و قال مشايخ هذه الطريقة.
ربما يكون السبب فيه حضور من ليس بأهل لسماعه من الجن، إذ لا تخلو مجالس القوم من حضور جماعة من الجن.
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه، يقول:
اعتللت مرة «بمرو»، فاشتقت أن أرجع إلى «نيسابور» .. فرأيت فى المنام.
كأن قائلا يقول لى: لا يمكنك أن تخرج من هذا البلد، فان جماعة من الجن استحلوا[٢] كلامك، و يحضرون مجلسك، فلأجلهم تجلس هاهنا.
و قال بعض الحكماء: إنما خلق للانسان لسان واحد، و عينان، و أذنان، ليسمع و يبصر أكثر مما يقول.
و دعى إبراهيم بن أدهم إلى دعوة؛ فلما جلس أخذوا فى الغيبة، فقال:
عندنا يؤكل اللحم بعد الخبز، و أنتم ابتدأتم بأكل اللحم؟ أشار إلى قوله تعالى:
«أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً، فَكَرِهْتُمُوهُ»[٣].
و قال بعضهم: الصمت، لسان الحلم.
و قال بعضهم: تعلم الصمت، كما تتعلم الكلام؛ فان كان الكلام يهديك، فان الصمت يقيك.
و قيل: عفة اللسان صمته.
و قيل: مثل اللسان مثل السبع إن لم توثقه عدا عليك.
و سئل أبو حفص: أى الحالين للولى أفضل؟ الصمت، أو النطق؟
[١] - يتوهم أن هذا الكلام حاله أى المطلوب له و لا يكون الأمر كذلك.
[٢] - انتفعوا به.
[٣] - آية ١٢ من سورة الحجرات.