الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤١٣ - باب احكامهم فى السفر
و فى معناه أنشدوا:
|
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم |
لأية حرب أم لأى مكان |
|
و حكى عن أبى على الرباطى قال: صحبت عبد اللّه المروزى، و كان يدخل البادية قبل أن أصحبه بلا زاد و لا راحلة. فلما صحبته، قال لى: أيما أحب إليك، أن تكون أنت الأمير أم أنا؟ فقلت: لا، بل أنت؛ فقال: و عليك الطاعة؟ فقلت: نعم.
فأخذ مخلاة، و وضع فيها زادا، و حملها على ظهره، فاذا قلت: أعطنى حتى أحملها.
قال: الأمير أنا و عليك الطاعة.
قال: فأخذنا المطر ليلة ... فوقف إلى الصباح على رأسى و عليه كساء يمنع عنى المطر، فكنت أقول فى نفسى: يا ليتنى مت و لم أقل له أنت الأمير.
ثم قال لى: إذا صحبت إنسانا فاصحبه كما رأيتنى صحبتك.
و قدم شاب على أبى على الروذبارى، فلما أراد الخروج، قال: يقول الشيخ شيئا؛ فقال: يا فتى كانوا لا يجتمعون عن موعد، و لا يتفرقون عن مشورة[١].
و عن المزين الكبير قال: كنت يوما مع إبراهيم الخواص فى بعض أسفاره، فاذا عقرب تسعى على فخذه. فقمت لأقتلها، فمنعنى و قال: دعها، كل شئ مفتقر إلينا. و لسنا مفتقرين إلى شئ.
و قال أبو عبد اللّه النصيبنى: سافرت ثلاثين سنة ما خطت قط خرقة على مرقعتى، و لا عدلت إلى موضع علمت أن لى فيه رفيقا، و لا تركت أحدا يحمل معى شيئا.
و اعلموا أن القوم استوفوا آداب الحضور من المجاهدات، ثم أرادوا أن يضيفوا إليها شيئا، فأضافوا أحكام السفر إلى ذلك؛ رياضة لنفوسهم، حتى[٢] أخرجوها عن المعلومات[٣]، و حملوها على مفارقة المعارف، كى يعيشوا مع اللّه بلا علاقة و لا واسطة، فلم يتركوا شيئا من أورادهم فى أسفارهم.
[١] - أى لا يتعلقون بغير اللّه فى الاجتماع و لا فى الافتراق.
[٢] - و فى نسخة« حيين».
[٣] - أى المألوفات.