الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣١٠ - باب الارادة
فالمريد عندهم هو المبتدئ، و المراد: هو المنتهى، و المريد: الذى نصب بعين التعب و ألقى فى مقاساة المشاق، و المراد: الذى كفى بالأمر من غير مشقة، فالمريد متعن، و المراد: مرفوق به مرفه.
و سنة اللّه تعالى مع القاصدين مختلفة؛ فأكثرهم يوفقون للمجاهدات، ثم يصلون، بعد مقاساة اللتيا و التى، إلى سنى المعانى. و كثير منهم يكاشفون فى الابتداء بجليل المعانى، و يصلون إلا ما لم يصل إليه كثيرون من أصحاب الرياضات، إلا أن أكثرهم يردون إلى المجاهدات بعد هذه الأرقاق؛ ليستوفى منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة.
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: المريد: متحمل، و المراد: محمول.
و سمعته يقول: كان موسى، ٧، مريدا، فقال: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي»[١]، و كان نبينا، صلى اللّه عليه و سلم، مرادا، فقال تعالى: «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ».
و كذلك قال موسى ٧: «رَبِّ، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ: لَنْ تَرانِي»[٢].
و قال لنبينا، صلى اللّه عليه و سلم: «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ»[٣].
و كان أبو على يقول: إن المقصود قوله «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ» و قوله «كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ»: سير للقصة و تحصين للحالة.
و سئل الجنيد، رحمه اللّه، عن المريد و المراد، فقال:
المريد: تتولاه سياسة العلم، و المراد: تتولاه رعاية الحق، سبحانه، لأن المريد يسير، و المراد يطير، فمتى يلحق السائر الطائر؟
و قيل: أرسل ذو النون إلى أبى يزيد رجلا، و قال له: قل له إلى متى النوم و الراحة، و قد جازت القافلة؟.
فقال أبو يزيد: قل لأخى ذى النون: الرجل من ينام الليل كله، ثم يصبح فى المنزل قبل القافلة.
فقال ذو النون: هنيئا له؛ هذا كلام لا تبلغه أحوالنا.
[١] - آية ٢٥ من سورة طه.
[٢] - آية ١١٣ من سورة الأعراف.
[٣] - آية ٤٥ من سورة الفرقان.