الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٦٨ - باب التوكل
شبعان، و قد اعتقدت[١] التوكل، لئلا يكون سعيى على الشبع زادا اتزود به ..
و سئل حمدون عن التوكل، فقال:
تلك درجة لم أبلغها بعد، و كيف يتكلم فى التوكل من لم يصح له حال الإيمان؟
و قيل: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئا يأوى إليه إلا ثدى أمه، كذلك المتوكل لا يهتدى إلا إلى ربه تعالى.
و عن بعضهم قال: كنت فى البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامى واحدا ...
فتسارعت حتى أدركته، فاذا هى امرأة بيدها عكاز، تمشى على التؤدة ...
فظننت أنها أعيت، فأدخلت يدى فى جيبى، فأخرجت عشرين درهما، فقلت:
خذيها و امكثى حتى تلحقك القافلة فتكترى بها .. ثم ائتينى الليلة حتى أصلح أمرك.
فقالت: بيدها هكذا فى الهواء، فاذا فى كفها دنانير، فقالت: أنت أخذت الدراهم من الجيب، و أنا أخذت الدنانير من الغيب.
و رأى أبو سليمان الدارانى رجلا بمكة، لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم ..
فمضى عليه أيام، فقال له سليمان يوما:
أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب؟
فقام، و قبل رأسه، و قال: جزاك اللّه خيرا، حيث أرشدتنى، فانى كنت أعبد[٢] زمزم منذ أيام. و مضى.
و قال إبراهيم الخواص: رأيت فى طريق الشام شابا حدثا، حسن المراعاة، فقال لى:
هل لك فى الصحبة؟ فقلت: إنى أجوع. فقال: إن جعت جعت معك.
فبقينا أربعة أيام، ففتح علينا بشئ، فقلت: هلم. فقال: اعتقدت[٣] أنى لا آخذ بواسطة فقلت: يا غلام دققت[٤]. فقال: يا إبراهيم، لا تتبهرج[٥]، فان الناقد بصير، مالك و التوكل؟ ثم قال: أقل التوكل: أن ترد عليك موارد الفاقات[٦] فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفايات.
[١] - أى: عزمت عليه.
[٢] - أى متعلقا بها ساكنا إلى غير اللّه.
[٣] - عزمت.
[٤] - أى فى الكلام على التوكل.
[٥] - لا تمدحنى.
[٦] - جمع: فاقة، و هى الحاجة.