الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٨٥ - باب اليقين
لقيت غلاما فى التيه[١]، كأنه سبيكة فضة، فقلت: إلى أين يا غلام؟ فقال:
إلى مكة. فقلت: بلا زاد، و لا راحلة، و لا نفقة. فقال لى: يا ضعيف اليقين، الذى يقدر على حفظ السموات و الأرضين لا يقدر أن يوصلنى إلى مكة بلا علاقة[٢] قال: فلما دخلت مكة إذا أنا به فى الطواف و هو يقول:
|
يا عين سحى أبدا |
يا نفس موتى كمدا |
|
|
و لا تحبى أحدا |
إلا الجليل الصمدا |
|
فلما رآنى قال لى: يا شيخ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين؟.
و سمعته يقول سمعت منصور بن عبد اللّه يقول: سمعت النهرجورى يقول:
إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة، و الرخاء مصيبة.
و قال أبو بكر الوراق: اليقين على ثلاثة أوجه:
يقين خبر، و يقين دلالة، و يقين مشاهدة.
و قال أبو تراب النخشبى: رأيت غلاما فى البادية يمشى بلا زاد، فقلت: إن لم يكن معه يقين فقد هلك. فقلت: يا غلام، فى مثل هذا الموضع بلا زاد؟ فقال:
يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير اللّه عز و جل؟ فقلت: الآن إذهب حيث شئت.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا نصر الأصبهانى يقول: سمعت محمد ابن عيسى يقول: قال أبو سعيد الخراز: العلم ما استعملك[٣]، و اليقين: ما حملك[٤]
و سمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا عثمان الآدمى يقول:
سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت المعاش لأكل الحلال! فاصطدت السمك، فيوما وقعت فى الشبكة سمكة، فأخرجتها و طرحت الشبكة فى الماء فوقعت أخرى فيها. فرميت بها ثم عدت، فهتف بى هاتف: لم تجد معاشا إلا أن تأتى من يذكرنا فتقتلهم ..!
قال: فكسرت القصبة، و تركت الاصطياد[٥].
[١] - التيه: الصحراء التى يتاه فيها.
[٢] - العلاقة: ما يتبلغ به من العيش، قال ذلك لقوة يقينه، و لطف زبه، و إن كانت السنة حمل الزاد فى السفر، و لا يدل حمله على ضعف اليقين مطلقا، فان الأنبياء و الأئمة حملوه فى السفر. لكنهم لم يعتمدوا عليه و إنما اعتمدوا على ربهم.
[٣] - أى ما قادك إلى العمل.
[٤] - أى بعثك على الجد فى طاعة اللّه و الرضا بقضائه.
[٥] - يقول الشيخ ذكريا الأنصارى:« ليس ذلك إنكارا للاصطياد، و لا لطلب الحلال، بل عادة اللّه تعالى أن يؤدب أولياءه بخواطر ينبههم بها على أنهم لا يسكنون إلى غيره تعالى؛ فمتى علم من أحدهم سكونا إلى غيره نيهه ليرجع إليه و يعتمد عليه دون الأسباب».