الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٤١ - باب الفتوة
من اللّه تعالى أن أصبر على ضرب ألف سوط لأجل مخلوق، و لا أصبر على مقاساة برد الاغتسال لأجله.
و قيل: قدم جماعة من الفتيان لزيارة واحد يدعى الفتوة، فقال الرجال: يا غلام قدم السفرة، فلم يقدم. فقال له الرجل ذلك ثانيا و ثالثا .. فنظر بعضهم إلى بعض، و قالوا، ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه فى تقديم السفرة كل هذا .. فقال الرجل: لم أبطأت بالسفرة؟ فقال الغلام: كان عليها نمل، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل، و لم يكن من الفتوة إلقاء النمل من السفرة، فلبثت حتى دب النمل. فقالوا له: دققت يا غلام، مثلك من يخدم الفتيان.
و قيل: إن رجلا نام بالمدينة من الحاج، فتوهم أن «هميانه»[١] سرق، فخرج، فرأى جعفرا الصادق، فتعلق به، و قال له: أنت أخذت هميانى؟ فقال له: ماذا كان فيه؟ فقال: ألف دينار.
فأدخله داره .. و وزن له ألف دينار، فرجع الرجل إلى منزله، و دخل بيته، فرأى هميانه فى بيته و قد كان توهم أنه سرق؛ فخرج إلى جعفر معتذرا، ورد عليه الدنانير، فأبى أن يقبلها، و قال: شئ أخرجته من يدى لا أسترده.
فقال الرجل: من هذا؟. فقيل: جعفر الصادق.
و قيل: سأل شقيق البلخى جعفر بن محمد عن الفتوة، فقال: ما تقول أنت؟
فقال شقيق: إن أعطينا شكرنا. و إن منعنا صبرنا.
فقال جعفر: الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل ..
فقال شقيق: يا ابن بنت رسول اللّه، ما الفتوة عندكم؟
فقال: إن أعطينا آثرنا، و إن منعنا شكرنا.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت الجريرى يقول: دعانا الشيخ أبو العباس بن مسروق ليلة إلى بيته، فاستقبلنا صديق لنا، فقلنا له: ارجع معنا، فنحن فى ضيافة الشيخ، فقال:
[١] - الهميان: بكسر الهاء: الدراهم أو كيس الدراهم.