الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٧٦ - أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء
ما رأيت أعبد من النورى، قيل: و لا الجنيد. قال: و لا الجنيد.
و قال النورى: كانت المراقع غطاء على الدر، فصارت اليوم مزابل على جيف.
و قيل: كان يخرج كل يوم من داره، و يحمل الخبز معه، ثم يتصدق به فى الطريق، و يدخل مسجدا يصلى فيه إلى قريب من الظهر؛ ثم يخرج منه و يفتح باب حانوته، و يصوم[١].
فكان أهله يتوهمون أنه يأكل فى السوق، و أهل السوق يتوهمون أنه يأكل فى بيته.
و بقى على هذا[٢] فى ابتدائه عشرين سنة[٣].
أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء
بغدادى الأصل، أقام بالرملة و دمشق. من أكابر مشايخ الشام ..
صحب أبا تراب، و ذا النون، و أبا عبيد البسرى: و أباه يحيى الجلاء.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه اللّه، يقول: سمعت محمد بن عبد العزيز الطبرى يقول: سمعت أبا عمر الدمشقى، يقول: سمعت ابن الجلاء يقول:
قلت لأبى و أمى: أحب أن تهبانى للّه عز و جل. فقالا: قد وهبناك للّه عز و جل.
فغبت عنهما مدة، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة، فدققت الباب، فقال لى أبى: من ذا؟ قلت: ولدك أحمد.
فقال: كان لنا ولد، فوهبناه للّه تعالى، و نحن من العرب لا نسترجع ما وهبناه.
و لم يفتح لى الباب.
و قال ابن الجلاء: من استوى عنده المدح و الذم، فهو زاهد. و من حافظ على الفرائض فى أول مواقيتها فهو عابد، و من رأى الأفعال كلها من اللّه، فهو موحد لا يرى إلا واحدا.
و لما مات ابن الجلاء نظروا إليه، و هو يضحك: فقال الطبيب: إنه حى.
ثم نظر إلى مجسته فقال: إنه ميت. ثم كشف عن وجهه، فقال: لا أدرى أهو ميت أم حى ..
[١] - بقية يومه.
[٢] - و فى نسخة أخرى« و بقى على هذا النهج» أى الطريق: و هو أخفاء حاله فى عبادة ربه
[٣] - و من كلامه:
« من وصل إلى وده، أنس بحبه .. و من توصل بالوداد، فقد اصطفاه اللّه من بين العباد».
« نعت الفقير السكون عند العدم، و البذل و الإيثار عند الوجدان» ..