الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤١٤ - باب احكامهم فى السفر
و قالوا: الرخص لمن كان سفره ضرورة، و نحن لا شغل لنا و لا ضرورة فى أسفارنا علينا.
سمعت أبا صادق بن حبيب قال: سمعت النصر اباذى يقول: ضعفت فى البادية مرة، فأيست من نفسى، فوقع بصرى على القمر، و كان ذلك بالنهار، فرأيت مكتوبا عليه: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ»[١] فاستقلت[٢]، و فتح على من ذلك الوقت هذا الحديث.
و قال أبو يعقوب السوسى: يحتاج المسافر إلى أربعة أشياء فى سفره:
علم يسوسه، و ورع يحجزه، و وجد يحمله، و خلق يصونه.
و قيل: سمى السفر سفرا؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.
و كان الكتانى إذا سافر الفقير إلى اليمن ثم رجع إليه مرة أخرى يأمر بهجرانه و إنما كان يفعل ذلك؛ لأنهم كانوا يسافرون إلى اليمن ذلك الوقت لأجل الرفق.
و قيل: كان إبراهيم الخواص لا يحمل شيئا فى السفر، و كان لا يفارق «الإبرة» و «الركوة»[٣] أما الأبرة فلخياطة ثوبه إن تمزق سترا للعورة، و أما الركوة فللطهارة، و كان لا يرى ذلك علاقة و لا معلوما.
و حكى عن أبى عبد اللّه الرازى قال: خرجت من «طرسوس» حافيا، و كان معى رفيق، فدخلنا بعض قرى الشام، فجاءنى فقير بحذاء فامتنعت من قبوله؛ فقال لى رفيقى: البس هذا، فقد عييت، فانه قد فتح عليك بهذا النعل بسببى.
فقلت: مالك؟ فقال: نزعت نعلى[٤] موافقة لك، و رعاية لحق الصحبة.
و قيل: كان الخواص فى سفر و معه ثلاثة نفر، فبلغوا مسجدا فى بعض المفاوز و باتوا فيه، و لم يكن عليه باب .. و كان برد شديد فناموا، فلما أصبحوا رأوه واقفا على الباب، فقالوا: له فى ذلك فقال: خشيت أن تجدوا البرد. و كان قد وقف طول ليلته.
و قيل: إن الكتانى استأذن أمه فى الحج مرة فأذنت له، فخرج، فأصاب ثوبه البول فى البادية، فقال: إن هذا لخلل فى حالى، فانصرف .. فلما دق باب داره
[١] - من آية ١٣٧ من سورة البقرة.
[٢] - أى: قويت.
[٣] - القربة.
[٤] - منذ بدء السفر.