الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٢٢ - الوقت
يريد بهذا: أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان.
و قد يعنون بالوقت: ما هو[١] فيه من الزمان، فان قوما قالوا: الوقت ما بين الزمانين، يعنى الماضى و المستقبل.
و يقولون: الصوفى ابن وقته، يريدون بذلك: أنه مشتغل بما هو أولى به من العبادات. فى الحال، قائم بما هو مطلوب به فى الحين.
و قيل: الفقير لا يهمه[٢] ماضى وقته و آتيه، بل يهمه وقته الذى هو فيه.
و لهذا قيل: الاشتغال بفوات وقت ماض: تضييع وقت ثان.
و قد يريدون بالوقت: ما يصادفهم من تصريف الحق لهم، دون ما يختارونه لأنفسهم.
و يقولون: فلان بحكم الوقت. أى: أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار له.
و هذا فيما ليس للّه تعالى عليهم فيه أمر أو اقتضاء بحق شرع، إذ التضييع لما أمرت به: و إحالة الأمر فيه على التقدير و ترك المبالاة بما يحصل منك من التقصير:
خروج عن الدين.
و من كلامهم: الوقت سيف. أى: كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق[٣] و يجريه غالب[٤].
و قيل: السيف لين مسه، قاطع حده، فمن لاينه سلم، و من خاشنه اصطلم[٥].
كذلك الوقت: من استسلم لحكمه نجا، و من عارضه انتكس و تردى.
و أنشدوا فى ذلك:
|
و كالسيف إن لاينته لان مسه[٦] |
و حدّاه إن خاشنته خشنان |
|
[١] - أى ما الإنسان فيه: أى يخصون الوقت بالحال دون الماضى و المستقبل.
[٢] - يهمه، بضم الياء اى يقلقه، و بفتحها أى: يدينه.
[٣] - بما يقدره اللّه.
[٤] - واقع.
[٥] - استوصل.
[٦] - و فى نسخة« متنه» أى وسطه: المراد عرضه.