الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٣٥ - باب احوالهم عند الخروج من الدنيا
و حكى عن الجنيد أنه قال: كنت عند أستاذى ابن الكرنبى، و هو يجود بنفسه، فنظرت إلى السماء[١] فقال: بعد، ثم نظرت إلى الأرض فقال: بعد، يعنى: أنه أقرب إليك من أن تنظر إلى السماء أو إلى الأرض، بل هو وراء المكان[٢].
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول: سمعت أبا نصر الطوسى يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: قال أبو يزيد عند موته: ما ذكرتك إلا عن غفلة، و لا قبضتنى إلا على فيرة.
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت الوجيهى يقول: س معت أبا على الروذبارى يقول: دخلت مصر فرأيت الناس مجتمعين. فقالوا: كنا فى جنازة فتى سمع قائلا يقول:
|
كبرت همة عبد |
طمعت فى أن تراكا |
|
فشهق شهقة و مات.
و قيل: دخل جماعة على «ممشاد الدينورى» فى مرض موته، فقالوا: ما فعل اللّه بك و ما صنع؟ فقال: منذ ثلاثين سنة تعرض على الجنة بما فيها فما أعرتها طرفى، و قالوا له عند النزع: كيف تجد قلبك؟ فقال: منذ ثلاثين سنة فقدت قلبى.
سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفى يقول: سمعت عبد اللّه بن على التميمى يقول: قال الوجيهى: كان سبب موت ابن بنان أنه ورد على قلبه شئ، فهام على وجهه، فلحقوه فى وسط متاهة بنى إسرائيل فى الرمل، ففتح عينيه و قال: ارتع[٣]، فهذا مرتع الأحباب. و خرجت روحه.
و قال أبو يعقوب النهرجورى: كنت بمكة، فجاءنى فقير معه دينار، فقال:
إذا كان غدا فأنا أموت، فأصلح لى بنصف هذا قبرا، و النصف الثانى لجهازى.
فقلت فى نفسى: دوخل الشاب[٤]؛ فانه قد أصابته فاقة الحجاز، فلما كان الغد جاء؛ و دخل الطواف، ثم مضى و امتد على الأرض، فقلت: هو ذا يتماوت، فذهبت إليه، فحركته فاذا هو ميت. فدفنته كما أمر.
[١] - أى داعيا له.
[٢] - أى قبل المكان.
[٣] - أى تنعم و تلذذ.
[٤] - أى خولط فى عقله.