الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٠٩ - باب الأدب
|
أرسلت نفسى على سجيتها |
و قلت ما قلت غير محتشم |
|
و قال الجنيد: إذا صحت المحبة سقطت شروط الأدب.
و قال أبو عثمان: إذا صحت المحبة تأكد على المحب ملازمة الأدب.
و قال النورى: من لم يتأدب للوقت فوقته[١] المقت.
و قال ذو النون المصرى: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب، فانه يرجع من حيث جاء.
سمعت الأستاذ أبا على. رحمه اللّه، يقول فى قوله عز و جل: «وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»[٢] قال: لم يقل «أرحمنى» لأنه حفظ آداب الخطاب.
و كذلك عيسى ٧ حيث قال: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ»،[٣] و قال «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ»[٤] و لم يقل «لم أقل»؛؛ رعاية لآداب الحضرة.
سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا الطيب بن الفرحان يقول: سمعت الجنيد يقول: جاءنى بعض الصالحين يوم جمعة فقال لى:
ابعث معى فقيرا يدخل على سرورا، و يأكل معى شيئا؛ فالتفت، فاذا أنا بفقير شهدت فيه الفاقة ... فدعوته ... و قلت له: امض مع هذا الشيخ و أدخل عليه سرورا، (فمضى) فلم ألبث أن جاءنى الرجل فقال لى: يا أبا القاسم لم يأكل ذلك الرجل الفقير إلا لقمة، و خرج ..
فقلت: لعلك قلت كلمة جفاء عليه، فقال لى: لم أقل شيئا.
فالتفت فاذا أنا بالفقير جالس، فقلت له: لم لم تتم عليه السرور؟
فقال: يا سيدى، خرجت من الكوفة و قدمت «بغداد» و لم آكل شيئا..
و كرهت أن يبدو سوء أدب منى من جهة الفاقة فى حضرتك ... فلما دعوتنى سررت إذ جرى ذلك ابتداء منك، فمضيت و أنا لا أرضى له الجنان ... فلما جلست على مائدته سوى لقمة و قال لى: كل، فهذا أحب إلى من عشرة آلاف درهم. فلما سمعت هذا منه علمت أنه دنئ الهمة، فتطرقت[٥] أن آكل طعامه، فقال الجنيد: ألم أقل لك إنك أسأت أدبك معه، فقال: يا أبا القاسم .. التوبة، فسأله أن يمضى معه و يفرحه.
[١] - أى حاله.
[٢] - آية ٨٣ من سورة الأنبياء.
[٣] - آية ١١٧ من سورة المائدة
[٤] - آية ١١٥ من سورة المائدة.
[٥] - فتجنبت.