الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٧٠ - باب التوبة
سنح[١] فى قلبه إرادة التوبة؛ و الإقلاع عن قبيح المعاملات فيمده الحق، سبحانه بتصحيح العزيمة، و الأخذ فى جميل الرجعى، و التأهب لأسباب التوبة:
فأول ذلك:
هجران إخوان السوء؛ فانهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد و يشوشون عليه صحة هذا العزم.
و لا يتم ذلك: إلا بالمواظبة على المشاهدة[٢] التى تزيد رغبته فى التوبة و توفر دواعيه على إتمام ما عزم عليه. مما يقوى خوفه و رجاءه: فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال، فيقف عن تعاطى المحظورات، و يكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة فى الحال، و يبرم العزيمة على أن لا يعود إلى مثلها فى الاستقبال.
فان مضى على موجب قصده، و نفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا.
و إن نقض التوبة مرة أو مرات، و تحمله إرادته على تجديدها، فقد يكون مثل هذا أيضا كثيرا، فلا ينبغى قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء، فان لكل أجل كتابا.
حكى عن أبى سليمان الدارانى، أنه قال:
اختلفت إلى مجلس قاصّ، فأثر كلامه فى قلبى، فلما قمت لم يبق فى قلبى منه شئ .. فعدت ثانيا؛ فبقى أثر كلامه فى قلبى، حتى رجعت إلى منزلى.
فكسرت آلات المخالفات و لزمت الطريق.
فحكى هذه الحكاية لحييى بن معاذ فقال:
عصفور اصطاد كركيا!!
أراد بالعصفور. ذلك القاص، و بالكركى: أبا سليمان الدارانى.
و يحكى عن أبى حفص الحداد أنه قال:
تركت العمل كذا، و كذا مرة؛ فعدت إليه، ثم تركنى العمل، فلم أعد بعد إليه.
[١] - خطر.
[٢] - و فى نسخة المشاهد.