الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٥٩ - باب الشوق
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يفرق بين الشوق و الاشتياق، و يقول:
الشوق يسكن باللقاء و الرؤية، و الاشتياق لا يزول باللقاء. و فى معناه أنشدوا:
|
ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته |
حتى يعود إليه الطرف مشتاقا |
|
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت النصراباذى يقول:
للخلق كلهم مقام الشوق، و ليس لهم مقام الاشتياق. و من دخل فى حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر و لا قرار.
و قيل: جاء أحمد بن حامد الأسود إلى عبد اللّه بن منازل فقال: رأيت فى المنام أنك تموت إلى سنة، فهل استعددت للخروج؟ فقال له عبد اللّه بن منازل:
لقد أجلتنا إلى أمد بعيد أأعيش أنا إلى سنة.. لقد كان لى أنس بهذا البيت الذى سمعته من هذا الثقفى «يعنى أبا على»:
|
يا من شكا شوقه من طول فرقته |
اصبر لعلك تلقى من تحب غدا |
|
و قال أبو عثمان: علامة الشوق: حب الموت مع الراحة.
و قال يحيى بن معاذ: علامة الشوق: فطام الجوارح عن الشهوات.
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: خرج داود ٧ يوما إلى بعض الصحارى منفردا، فأوحى اللّه تعالى إليه: ما لى أراك يا داود وحدانيا؟ فقال يا إلهى، استأثر الشوق إلى لقائك على قلبى فحال بينى و بين صحبة الخلق فأوحى اللّه تعالى إليه: إرجع إليهم؛ فإنك إن أتيتنى بعبد آبق أثبتك فى اللوح المحفوظ جهبذا[١].
و قيل: كانت عجوز قدم بعض أقاربها من السفر فأظهر قومها السرور، و العجوز تبكى، فقيل لها: ما يبكيك؟ فقالت: ذكرنى قدوم هذا الفتى يوم القدوم على اللّه تعالى.
و سئل ابن عطاء عن الشوق فقال: احتراق الأحشاء و تلهب القلوب و تقطع الأكباد.
و سئل أيضا عن الشوق، فقيل له: الشوق أعلى أم المحبة؟ فقال: المحبة؛ لأن الشوق منها يتولد.
[١] - أى نقادا عالما.