الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٤٩ - فصل
و أصعب من ذلك: تهوين ذلك على القلب، حتى يعد ذلك يسيرا، و قد قال اللّه تعالى: «وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً. وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ»[١].
و هذا الواسطى رحمه اللّه، يقول: إذا أراد اللّه هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان و الجيف.
سمعت أبا عبد اللّه الصوفى يقول: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: سمعت أبا عبد اللّه الحصرى يقول: سمعت فتحا الموصلى يقول: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال، كلهم أوصونى عند فراقى إياهم، و قالوا لى: اتق معاشرة الأحداث و مخالطتهم.
و من ارتقى فى حالة الباب[٢] عن حالة الفسق، و أشار إلى أن ذلك من بلاء الأرواح و أنه لا يضر، و ما قالوه[٣] من وساوس القائلين بالشاهد، و إيراد حكايات عن بعض الشيوخ، لما كان الأولى بهم إسبال الستر على هناتهم و آفانهم، الصادرة منهم فذلك نظير الشرك و قرين الكفر.
فليحذر المريد من مجالسة الأحداث، و مخالطتهم؛ فإن اليسير منه فتح باب الخذلان، و بدء حال الهجران. و نعوذ باللّه من قضاء السوء.
فصل
و من آفات المريد: ما يتداخل النفس من خفى الحسد للإخوان، و التأثر بما يفرد اللّه عز و جل به أشكاله من هذه الطريقة، و حرمانه إياه ذلك.
و ليعلم أن الأمور قسم[٤]، و إنما يتخلص العبد عن هذا باكتفائه بوجود الحق، و قدمه عن مقتضى جوده و نعمه.
فكل من رأيت أيها المريد قدم الحق، سبحانه، رتبته فاحمل أنت غاشيته[٥]؛ فإن الظرفاء من القاصدين[٦] على ذلك استمرت سنتهم.
[١] - آية ١٥ من سورة النور.
[٢] - أى باب صحبة الأحداث.
[٣] - و الأولى أن يقال« و ما قاله».
[٤] - جمع قسم( بكسر القاف و إسكان السين) أى حظ و نصيب.
[٥] - كناية عن الخضوع.
[٦] - للوصول إلى اللّه.