الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٥٤ - باب المحبة
و قال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلى من عبادة سبعين سنة بلا حب.
و قيل: إن شابا أشرف على الناس فى يوم عيد و قال:
|
من مات عشقا فليمت هكذا |
لا خير فى عشق بلا موت |
|
و ألقى نفسه من سطح عال فوقع ميتا.
و حكى أن بعض أهل الهند عشق جارية، فرحلت الجارية، فخرج الرجل فى وداعها، فدمعت إحدى عينيه دون الأخرى، فغمض التى لم تدمع أربعا و ثمانين سنة. و لم يفتحها، عقوبة لها؛ لأنها لم تبك على فراق حبيبته، و فى معناه أنشدوا:
|
بكت عينى غداة البين دمعا |
و أخرى بالبكا بخلت علينا |
|
|
فعاقبت التى بخلت بدمع |
بأن غمضتها يوم التقينا |
|
و قال بعضهم: كنا عند ذى النون المصرى، فتذاكرنا المحبة، فقال ذو النون:
كفوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها، ثم أنشأ يقول:
|
الخوف أولى بالمسى |
ء إذا تأله و الحزن |
|
|
و الحب يجمل بالتقى |
و بالنقى من الدرن[١] |
|
و قال يحيى بن معاذ: من نشر المحبة عند غير أهلها فهو فى دعواه دعى.
و قيل: ادعى رجل الاستهلاك فى محبة شخص. فقال له الشاب: كيف هذا، و أخى أحسن منى وجها و أتم جمالا؟ فرفع الرجل رأسه يلتفت، و كانا على سطح فألقاه من السطح و قال: هذا أجر من يدعى هوانا و ينظر إلى سوانا.
و كان سمنون يقدم المحبة على المعرفة، و الأكثرون يقدمون المعرفة على المحبة.
و عند المحققين: المحبة: استهلاك فى لذة، و المعرفة: شهود فى حيرة، و فناء فى هيبة.
[١] - الدرن: الوسخ.