الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٧٠ - باب الغيرة
فقال له النبى صلى اللّه عليه و سلم: امرؤ من قريش.
فقال بعض أصحابه من الحاضرين للأعرابى: كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك.
و كان رحمه اللّه يقول: إنما قال امرؤ من قريش غيرة، و إلا كان واجبا عليه التعرف إلى كل أحد: أنه من هو؟ .. ثم إن اللّه؛ سبحانه، أجرى على لسان ذلك الصحابى التعريف للأعرابى بقوله: كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك ..
و من الناس من قال: إن الغيرة من صفات أهل البداية، و إن الموحد لا يشهد الغيرة، و لا يتصف بالاختيار، و ليس له فيما يجرى فى المملكة تحكم، بل الحق سبحانه، أولى بالأشياء فيما يقضى على ما يقضى.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا عثمان المغربى يقول: الغيرة عمل المريدين، فأما أهل الحقائق فلا.
و سمعته يقول: سمعت أبا نصر الأصبهانى يقول: سمعت الشبلى يقول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية على النفوس، و غيرة الإلهية على القلوب.
و قال الشبلى أيضا: غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى اللّه تعالى، و الواجب أن يقال: الغيرة غيرتان:
غيرة الحق، سبحانه، على العبد: و هو أن لا يجعله للخلق، فيضن به عليهم و غيرة العبد للحق، و هو أن لا يجعل شيئا من أحواله و أنفاسه لغير الحق تعالى فلا يقال: أنا أغار على اللّه تعالى، و لكن يقال: أنا أغار للّه، فاذن الغيرة على اللّه تعالى جهل، و ربما تؤدى إلى ترك الدين؛ و الغيرة للّه توجب تعظيم حقوقه و تصفية الأعمال له.
و اعلموا أن من سنة الحق، تعالى، مع أوليائه: أنهم إذا ساكنوا غيرا، أو لاحظوا شيئا، أو ضاجعوا بقلوبهم شيئا، شوش عليهم ذلك، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه، فارغة عما ساكنوه أو لا حظوه أو ضاجعوه، كآدم، ٧، لما وطن نفسه على الخلود فى الجنة أخرجه منها.
و إبراهيم، ٧، لما أعجبه إسماعيل، ٧، أمره بذبحه حتى أخرجه من قلبه «فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ»[١] وصفا سره منه أمره بالفداء عنه.
[١] - آية ١٣ من سورة الصافات.