الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٤٠ - باب المعرفة بالله
و قال الواسطى: لا تصح المعرفة و فى العبد استغناء باللّه و افتقار إليه.
قال الأستاذ: أراد الواسطى بهذا: أن الافتقار و الاستغناء من أمارات صحو العبد و بقاء رسومه؛ لأنهما من صفاته، و العارف محو فى معروفه[١]؛ فكيف يصح له ذلك، و هو لاستهلاكه فى وجوده، أو لاستغراقه فى شهوده إن لم يبلغ الوجود مختطف[٢] عن إحساسه بكل وصف هو له.
و لهذا قال الواسطى أيضا: من عرف اللّه تعالى انقطع، بل خرس و انقمع.
قال صلى اللّه عليه و سلم:
«لا أحصى ثناءا عليك».
هذه صفات الذين بعد مرماهم، فأما من نزلوا عن هذا الحد فقد تكلموا فى المعرفة و أكثروا.
اخبرنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو جعفر محمد بن احمد بن سعيد الرازى
قال: حدثنا عياش بن حمزة قال: سمعت أحمد بن أبى الحوارى قال: سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكى يقول: من كان باللّه أعرف كان له أخوف.
و قال بعضهم: من عرف اللّه تعالى تبرم بالبقاء، و ضاقت عليه الدنيا بسعتها.
و قيل: من عرف اللّه صفا له العيش، و طابت له الحياة، و هابه كل شئ.
و ذهب عنه خوف المخلوقين، و أنس باللّه تعالى.
و قيل: من عرف اللّه ذهب عنه رغبة الأشياء، و كان بلا فصل و لا وصل.
و قيل: المعرفة توجب الحياء و التعظيم، كما أن التوحيد يوجب الرضا و التسليم.
و قال رويم: المعرفة للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه.
و قال ذو النون المصرى: ركضت أرواح الأنبياء فى ميدان المعرفة فسبقت روح نبينا، صلى اللّه عليه و سلم، أرواح الأنبياء : إلى روضة الوصال.
و قال ذو النون المصرى: معاشرة العارف كمعاشرة اللّه تعالى يحتملك و يحلم عنك، تخلقا بأخلاق اللّه.
[١] - و هو اللّه.
[٢] - مغيب.