الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٥٠ - المحاضرة، و المكاشفة، ثم المشاهدة،
المحاضرة، و المكاشفة، ثم المشاهدة،
المحاضرة ابتداء[١]، ثم المكاشفة، ثم المشاهدة.
فالمحاضرة. حضور القلب. و قد يكون بتواتر البرهان، و هو بعد وراء الستر[٢]، و إن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر.
ثم بعده. المكاشفة: و هو حضوره بنعت البيان. غير مفتقر فى هذه الحالة إلى تأمل الدليل، و تطلب السبيل، و لا مستجير[٣] من دواعى الريب. و لا محجوب من نعت الغيب.
ثم المشاهدة: و هى حضور الحق من غير بقاء تهمة[٤].
فاذا أصحت سماء السر عن غيوم الستر، فشمس الشهود مشرقة عن برج الشرف.
و حق المشاهدة ما قاله الجنيد، رحمه اللّه:
وجود الحق مع فقدانك[٥].
فصاحب المحاضرة مربوط بآياته. و صاحب المكاشفة مبسوط بصفاته.
و صاحب المشاهدة ملقى بذاته، و صاحب المحاضرة يهديه عقله: و صاحب المكاشفة بدنيه علمه، و صاحب المشاهدة تمحوه معرفته.
و لم يزد فى بيان تحقيق المشاهدة أحد على ما قاله عمرو بن عثمان المكى رحمه اللّه.
و معنى ما قاله: أنه تتوالى أنوار التجلى على قلبه من عير أن يتخللها ستر و انقطاع كما لو قدر اتصال البروق، فكما أن الليلة الظلماء تتوالى البروق فيها، و اتصالها، إذا قدرت تصير فى ضوء النهار، فكذلك القلب إذا دام به دوام التجلى متع[٦] نهاره فلا ليل.
و أنشدوا:
|
ليلى بوجهك مشرق |
و ظلامه فى الناس سارى |
|
|
و الناس فى سدف[٧] الظلام |
و نحن فى ضوء النهار |
|
[١] - أى أول المراتب.
[٢] - الحجاب.
[٣] - أى: مستعيذ.
[٤] - شبهة.
[٥] - أى فنائك عما سواه.
[٦] - أى طال.
[٧] - ظلمة.