الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٦٩ - باب التوكل
و قيل: التوكل: نفى الشكوك، و التفويض إلى ملك الملوك.
و قيل: دخل جماعة على الجنيد رحمه اللّه، فقالوا: أين نطلب الرزق؟
فقال: إن علمتم فى أى موضع هو، فاطلبوه منه، قالوا: فنسأل اللّه تعالى ذلك.
فقال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه. فقالوا: ندخل البيت فنتوكل؟ فقال:
التجربة شك[١].
قالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة.
و قال أبو سليمان الدارانى لأحمد بن الحوارى:
يا أحمد، إن طرق الآخرة كثيرة، و شيخك عارف بكثير منها إلا هذا التوكل المبارك، فانى ما شممت منه رائحة.
و قيل: التوكل: الثقة بما فى يد اللّه تعالى، و اليأس عما فى أيدى الناس.
و قيل: التوكل: فراغ السر عن التفكر فى التقاضى فى طلب الرزق.
و سئل الحارث المحاسبى، رحمه اللّه، عن المتوكل: هل يلحقه طمع؟
فقال: يلحقه من طريق الطباع خطرات، و لا تضره شيئا، و يقويه على إسقاط الطمع اليأس مما فى أيدى الناس.
و قيل: جاع النورى فى البادية، فهتف به هاتف: أيما أحب إليك: سبب أو كفاية[٢].
فقال: الكفاية ليس فوقها نهاية، فبقى سبعة عشر يوما لم يأكل.
و قال أبو على الروذبارى: إذا قال الفقير بعد خمسة أيام: أنا جائع، فالزموه السوق، و مروه بالعمل و الكسب.
و قيل: نظر أبو تراب النخشبى إلى صوفى مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام.
فقال له: لا يصلح لك التصوف إلزم السوق.
و قال أبو يعقوب الأقطع البصرى:
[١] - أى أن فعلتم ذلك مجربين هل يرزقكم اللّه أم لا، يكون ذلك بمثابة. الشك فى أن اللّه ضامن الأرزاق.
[٢] - أى قوة تغنيه عن الطعام و الشراب.