الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٦٤ - باب حفظ قلوب المشايخ و ترك الخلاف عليهم
لأبى الغفانى فى ذلك الوقت مجلس القول، فداخلنى من ذلك شئ؛ فكنت أقول فى نفسى: قد استبدل مجلس الختم بمجلس القول، فقال لى يوما يا أبا عبد الرحمن، ما يقول الناس فى؟ فقلت: يقولون رفع مجلس القرآن و وضع مجلس القول .. فقال: من قال لأستاذه لم؟ لا يفلح أبدا، و من المعروف أن الجنيد قال: دخلت على السرى يوما فأمرنى شيئا[١]، فقضيت حاجته سريعا، فلما رجعت ناولنى رقعة و قال: هذا لمكان قضائك لحاجتى سريعا، فقرأت الرقعة، فاذا فيها مكتوب «سمعت حاديا يحدو فى البادية:
|
أبكى، و هل يدريك ما يبكينى |
أبكى حذارا أن تفارقينى |
|
|
و تقطعى حبلى و تهجرينى[٢] |
و يحكى عن أبى الحسن الهمدانى العلوى قال: كنت ليلة عند جعفر الخلدى، و كنت أمرت فى بيتى أن يعلق[٣] طير فى التنور، و كان قلبى معه، فقال لى جعفر:
أقم عندنا الليلة، فتعللت بشئ، و رجعت إلى منزلى، فأخرج الطير من التنور، و وضع بين يدى، فدخل كلب من الباب، و حمل الطير عند تغافل الحاضرين، فأتى ب «الجواذب»[٤] الذى تحته، فتعلق به ذيل الخادمة، فانصب .. فلما أصبحت دخلت على جعفر، فحين وقع بصره على قال: من لم يحفظ قلوب المشايخ سلط عليه كلب يؤذيه.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت عبد اللّه بن على الطوسى يقول: سمعت أبا عبد اللّه الدينورى يقول: سمعت الحسن الدامغانى يقول: سمعت عمى البسطامى يحكى عن أبيه: أن شقيقا البلخى، و أبا تراب النخشبى، قدما على أبى يزيد، فقدمت السفرة، و شاب يخدم أبا يزيد، فقالا له: كل معنا يا فتى.
فقال: أنا صائم. فقال أبو تراب: كل و لك أجر صوم شهر. فأبى. فقال شقيق:
كل و لك أجر صوم سنة. فأبى. فقال أبو يزيد: تدعوا من سقط من عين اللّه تعالى ..
فأخذ الشاب فى السرقة بعد سنة، فقطعت يده ..
[١] - و فى نسخة« بشئ» أى بقضاء حاجة له.
[٢] - قال الإمام الأنصارى: فالسرى علم من حال الجنيد أنه نال من معرفة اللّه و محبته حالا رفيعة فدله على سبب حفظ الرقعة و أنه يبكى خوفا من أن يبعده اللّه عنه.
[٣] - بطهى.
[٤] - قال الإمام العروسى: الجواذب: لعلها أشياء توضع فى أناء الطبخ تجذب ما فى اللحم من الدسم و نؤكل مع الطعام بعد نضجه.