الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٤٧ - باب الفراسة
و يحكى عن أبى عبد اللّه الرازى (نزيل نيسابور) قال:
كسانى (ابن الأنبارى) صوفا، و رأيت على رأس الشبلى قلنسوة ظريفة تليق بذلك الصوف، فتمنيت فى نفسى أن يكونا جميعا لى .. فلما قام الشبلى من مجلسه التفت إلى .. فتبعته، و كان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلى، فلما دخل داره دخلت؛ فقال لى: انزع الصوف. فنزعته .. فلفه و طرح القلنسوة عليه، و دعا بنار فأحرقهما.
و قال أبو حفص النيسابورى:
ليس لأحد أن يدعى الفراسة، و لكن يتقى الفراسة من الغير؛ لأن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: (اتقوا فراسة المؤمن) و لم يقل: تفرسوا فكيف يصح دعوى الفراسة لمن هو فى محل اتقاء الفراسة؟.
و قال أبو العباس بن مسروق:
دخلت على شيخ من أصحابنا أعوده .. فوجدته على حال رثة، فقلت فى نفسى: من أين يرتزق هذا الشيخ؟ فقال لى: يا أبا العباس: دع عنك هذه الخواطر الدنيئة؛ فان للّه ألطافا خفية.
و يحكى عن الزبيدى قال:
كنت فى مسجد ببغداد مع جماعة من الفقراء، فلم يفتح علينا بشئ أياما، فأتيت الخواص لأسأله شيئا، فلما وقع بصره على قال: الحاجة التى جئت لأجلها يعلمها اللّه أم لا؟ فقلت: بلى؛ فقال: اسكت و لا تبدها لمخلوق، فرجعت و لم ألبث إلا قليلا حتى فتح علينا بما فوق الكفاية. و قيل: كان سهل بن عبد اللّه يوما فى الجامع، فوقع حمام فى المسجد من شدة ما لحقه من الحر و المشقة، فقال سهل:
إن شاها الكرمانى مات الساعة، إن شاء اللّه تعالى، فكتبوا ذلك ... فكان كما قال.
و قيل: خرج أبو عبد اللّه التروغندى- و كان كبير الوقت- إلى «طوس» فلما بلغ «خر» و قال لصاحبه: اشتر الخبز. فاشترى ما يكفيهما، فقال: اشتر أكثر من ذلك. فاشترى صاحبه ما يكفى عشرة أنفس تعمدا، فكأنه لم يجعل لقول ذلك الشيخ تحقيقا قال: فلما صعدنا إلى الجبل إذا بجماعة قيدتهم اللصوص، لم يأكلوا منذ مدة، فسألونا الطعام، فقال: قدم إليهم السفرة.