الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٤٨ - باب الفراسة
و قال الأستاذ الإمام: كنت بين يدى الأستاذ الإمام أبى على رحمه اللّه يوما.
فجرى حديث الشيخ أبى عبد الرحمن السلمى رحمه اللّه، و أنه يقوم فى السماع موافقة للفقراء، فقال الأستاذ أبو على: مثله فى حاله؛ لعل السكون أولى به. ثم قال فى ذلك المجلس امض إليه فستجده و هو قاعد فى بيت كتبه، و على وجه الكتب مجلدة حمراء مربعة صغيرة فيها أشعار الحسين بن منصور. فاحمل تلك المجلدة و لا تقل له شيئا و جئنى بها. و كان وقت الهاجرة .. فدخلت عليه فاذا هو فى بيت كتبه و المجلدة موضوعة بحيث ذكر، فلما قعدت أخذ الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى فى الحديث و قال: كان بعض الناس[١] ينكر على أحد من العلماء حركته فى السماع فرؤى ذلك الإنسان يوما خاليا فى بيت و هو يدور كالمتواجد، فسئل عن حاله فقال: كانت مسألة مشكلة على، فتبين لى معناها، فلم أتمالك من السرور حتى قمت أدور، فقيل له: مثل هذا يكون حالهم.
فلما رأيت ما أمرنى به الأستاذ أبو على، و ما وصف لى على الوجه الذى قال و جرى على لسان الشيخ أبى عبد الرحمن ما كان قد ذكره به، تحيرت، و قلت:
كيف أفعل بينهما؟.
ثم فكرت فى نفسى و قلت: لا وجه إلا الصدق، فقلت: إن الأستاذ أبا على وصف لى هذه المجلدة و قال لى أحملها من غير أن تستأذن الشيخ، و أنا هو ذا أخافك، و ليس يمكننى مخالفته، فأى شئ تأمرنى به؟ .. فأخرج[٢] «مسدسا» من كلام الحسين، و فيه تصنيف له سماه: كتاب «الصهيور فى نقض الدهور» و قال: أحمل هذا إليه، و قل له: إنى أطالع تلك المجلدة و أنقل منها أبياتا إلى مصنفاتى .. فخرجت.
و يحكى عن الحسن الحداد، رحمه اللّه، أنه قال:
كنت عند أبى القاسم المنادى و عنده جماعة من الفقراء. فقال لى: أخرج و أتهم بشئ، فسررت: حيث أذن لى فى التكلف للفقراء و أن آتيهم بشئ بعد ما علم فقرى، قال: فأخذت «مكتلا»[٣] و خرجت .. فلما أتيت سكة «سيار» رأيت شيخا بهيا فسلمت عليه و قلت: جماعة من الفقراء فى موضع، فهل لك أن تتخلق[٤] معهم بشئ؟ فأمر .. حتى إذا أخرج إلى شيئا من الخبز و اللحم و العنب،
[١] - أى إنسان.
[٢] - فأخرج مجلدا آخر من كلام الحسين بن منصور.
[٣] - زنبيلا.
[٤] - تكرم و تعطى.