المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٥٩ - الإشكال فيوجوب هجرالبقاع التي لاتتحقّق فيها الأوقات المعهودة للصلاة
للمكلّفين [١].
[١] أمّا الوجه في هذه الفتوى فهو: أنّ الأوقات الخاصّة كالزوال والغروب والفجر وإن كانت شرطاً لوجوب الصلوات على المكلّفين- لا شرطاً للواجب- ولكنّها شرط للوجوب في حقّ المكلّفين الذين يقطنون الأقطار المشتملة على هذه الأوقات؛ فلا يجب على المكلّف أن يغادر بلده قبل الزوال ليصل إلى مكان تزول الشمس فيه قبل بلده؛ فإنّ الزوال شرط وجوب الصلاة لا شرط صحّتها ليجب تحصيله؛ ولو كان شرطاً للصحّة فليس ممّا يجب تقديمه على زمان تحقّقه في بلد سكنى المكلّف بالسفر.
ولكن كون هذه الأوقات شرطاً في الوجوب لا يشمل مثل سكنة القطب؛ فإنّ اشتراط الوجوب في حقّهم بهذه الأوقات يستلزم سقوط الصلاة عنهم رأساً؛ أو وجوب خمس صلوات في مدّة سنة واحدة؛ وهذا غير محتمل بضرورة الدِّين؛ وأنّه لا تسقط الصلاة عن أحد من المكلّفين غير النائم ونحوه؛ ولازم ذلك عدم اشتراط وجوب الصلوات الخمس في حقّ مثل أهل القطبين بالأوقات الخاصّة؛ فإذا وجبت عليهم الصلوات الخمس في كلّ أربع وعشرين ساعة- لا في السنة مرّة- فتجب عليهم مغادرة سكناهم والتوطّن في مكان يتمكّنون فيه من فعل الصلوات في الأوقات الخاصّة؛ وإلّا فلا تصحّ الصلاة بدون ذلك؛ لأنّ الأوقات الخاصّة هي شرط للصحّة؛ وإنّما كانت الأوقات شرطاً للوجوب- زائداً على الصحّة في حقّ غير القطبي، وإنّما نقول بكون الأوقات الخاصّة شرطاً للصحّة؛ لأنّ الواجب هو صلاة الفجر لا مطلق ركعتين؛ والواجب صلاة الزوال والعصر لا مطلق ثمان ركعات أو أربع والواجب صلاة المغرب والليل لا مطلق سبع أو خمس ركعات؛ فلا يمكن امتثال الأمر الصلاتي في قوله تعالى: «أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَ قُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا» الإسراء: ٧٨. إلّابالتحوّل إلى بلد يشتمل على الأوقات الخاصّة.
وبهذا البيان يندفع احتمال: كون الواجب هو فعل خمس صلوات في القطب. وكذا احتمال كون العبرة بافق مكّة وأوقاتها. أو كون العبرة بآخر بلد مشتمل على الأوقات يتحوّل منه المكلّف إلى القطب ونحوه من البلاد التي ليس لها في كلّ أربع وعشرين ساعة الأوقات الخاصّة.
وجه الاندفاع: أمّا الأوّل: فلما تقدّم من أنّ الواجب ليس هو مطلق خمس صلوات؛ وإنّما الواجب هو صلوات خمس عند أوقات خاصّة.
وأمّا الثاني: فلأنّ العبرة في الأوقات التي تضاف الصلوات إليها إنّما هو موقع المكلّف وبلده، لا سائر الأماكن؛ فكما لا يجوز لغير المكّي كالصيني من البلاد المشتملة على الأوقات الخاصّة أن يراعي أوقات مكّة فكذا لا وجه لوجوب مراعاة أوقات مكّة على القطبي؛ لعدم كون صلاته مضافةً إلى بلدة مكّة؛ كعدم إضافة صلاة الصيني إليها.
وبما ذكرنا في الثاني يندفع الاحتمال الثالث- أعني كون العبرة بآخر بلد ارتحل المكلّف منه ممّا كان مشتملًا على الأوقات الخاصّة. وجه الاندفاع: أنّ الواجب هو إضافة الصلاة إلى الأوقات الخاصّة بلحاظ موقع المكلّف حين الصلاة؛ لا إضافة الصلاة إلى موقع المكلّف سابقاً. فكما أنّه لا يجوز للمسافر أن يصلّي بأوقات بلده ووطنه، ولا أنّه يجوز للمكلّف أن يصلّي في وطنه بأوقات بلد سافر منه إلى وطنه فكذا شأن المسافر إلى القطب.
والتمسّك لذلك بالاستصحاب غريب مردود: أوّلًا: بأنّه تمسّك بالأصل مع وجود الدليل الاجتهادي.
وثانياً: إنّه من الاستصحاب بعد اختلال الموضوع؛ لكون الوقت من مقوّمات المتعلّق.
وثالثاً: إنّه من الاستصحاب التعليقي.
هذا، ولكن بما ذكرنا سابقاً يظهر أنّه لا تصل النوبة إلى ما صار إليه سيّدنا الاستاذ ١؛ وذلك لانصراف أدلّة اشتراط صحّة الصلاة بالأوقات الخاصّة إلى خصوص من تمرّ عليه هذه الأوقات بصورة طبيعيّة؛ لا من كان مرور هذه الأوقات عليه بحاجة إلى تكلّف سفر وارتحال عن بلد.
ومعه فالدليل إنّما يقتضي وجوب صلاة مّا على المكلّف في مثل القطب في كلّ أربع وعشرين ساعة؛ بعد القطع بوجوب الصلوات الخمس وضرورته، على عامّة المكلّفين؛ وأمّا اشتراط صحّة الصلاة بالأوقات الخاصّة فلا إطلاق له في شأن هذا المكلّف؛ وإنّما يحتمل وجوب الصلاة عليه حسب أوقات مكّة أو غيرها أو كونه مخيّراً في فعل الصلوات الخمس كيف كان؛ والأصل يقتضي الثاني.
حكم السفر إذا توقّف فعل الصلاة أداءً عليه
ومن هذا القبيل ما إذا توقّف فعل الصلاة في الأوقات الخاصّة أداءً على السفر من البلاد المتعارفة عندنا المشتملة على الأوقات الخاصّة؛ كما لو ضاق الوقت عن صلاة ثماني ركعات وأمكن فعل أربع ركعات في الوقت ولكن يتوقّف انقلاب التكليف من ثماني ركعات إلى أربع على السفر.
فإنّه لا موجب لذلك؛ إذ التكليف بثماني ركعات أدائية موقوف على تمكّن المكلّف من ذلك؛ فإذا لم يتمكّن سقط التكليف بالأداء؛ لا أنّ التكليف بالأداء يبقى متبدّلًا من ثماني ركعات إلى أربع ركعات يفعلها في السفر، ليكون السفر واجباً مقدّمياً لفعل الصلاة أداءً.
وإن شئت قلت: إنّ السفر من قبيل شرط الوجوب لصلاة القصر؛ لا شرط الواجب؛ فيجب على الحاضر ثمان ركعات ويجب على المسافر أربع ركعات؛ فالحاضر والمسافر كالمستطيع وفاقد الاستطاعة في الحجّ؛ فكما أنّ الاستطاعة شرط للوجوب فكذا الحضر شرط لوجوب التمام والسفر شرط لوجوب القصر.
نعم لو فوّت المكلّف الحاضر على نفسه اختياراً حتّى ضاق الوقت عن ثماني ركعات فلا يبعد وجوب السفر عليه عقلًا- لا شرعاً- تحصيلًا للصلاة الأدائيّة الاختياريّة؛ وإلّا فقد فوّتها فيعاقب عليه؛ فلدفع العقاب يجب السفر؛ وهذا بخلاف من فاته الوقت عن ثماني ركعات بلا اختيار.
كما أنّه لو كان الجامع بين القصر في السفر والتمام في الحضر واجباً على المكلّفين وجب السفر إذا توقّف عليه الأداء في الصلاة؛ وذلك لعدم كون السفر والحضر من شرط الوجوب على هذا التقدير؛ بل هما قيد الواجب. وتفصيل البحث عمّا هو التحقيق من كون السفر والحضر قيد الوجوب أو الواجب محوّل إلى غير المقام.