أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٧ - البحث الثالث في أحكام القطع الموضوعي و الطريقي و أنّه هل تقوم الطرق و الأمارات مقامهما أو لا؟
ثالثاً: سلّمنا ذلك، و لكن نتيجته أنّ لدينا قسمين من القطع: قطعاً تكوينياً و قطعاً تشريعياً، و ظاهر أدلّة أخذها في الموضوع هو القطع التكويني فقط، فالقطع التشريعي الحاصل بتتميم الكشف و إعطاء صفة الطريقية خارج عن منصرفها.
و بالجملة فالمختار في المقام أنّه إن كان المراد من الأخذ على نحو الكاشفيّة أخذ جامع الكاشف فلا إشكال في قيام الأمارة مقامه، و إن كان المراد منه أخذ القطع بما أنّه كاشف تامّ فلا إشكال أيضاً في عدم قيام الأمارة مقامه لأنّ كشف الأمارة كشف ناقص.
هذا تمام الكلام في قيام الأمارات مقام القطع.
أمّا قيام الاصول مقامه فلنبدأ فيه ببيان أقسامها فنقول: قد قسّمها بعض الأكابر إلى الاصول المحرزة و غير المحرزة، و الحقّ أنّ محرزيّة شيء بالنسبة إلى الواقع تنافي كونه من الاصول العمليّة التي أخذ في موضوعها الشكّ بالواقع، وعليه فلا محصّل لهذا التقسيم.
اللهمّ إلّا أن يقال: أنّه مجرّد اصطلاح لكلّ أصل عملي له نظر إلى الواقع و إن لم يكن كاشفاً ظنّياً، أو كان كذلك و لكن لم يكن الكشف الظنّي ملاك حجّيته شرعاً.
و كيف كان، قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «أمّا الاصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلّتها أيضاً غير الاستصحاب لوضوح أنّ المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الأحكام من تنجّز التكليف و غيره كما مرّت إليه الإشارة و هي ليست إلّا وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل شرعاً أو عقلًا، إلى أن قال: ثمّ لا يخفى أنّ دليل الاستصحاب أيضاً لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ في الموضوع مطلقاً».
و حاصل كلامه: أنّ غير الاستصحاب من الاصول العمليّة لا يقوم مقام القطع لأنّ لسانها ليس لسان التنزيل و ترتيب الآثار بل هي ليست إلّا مجرّد وظائف عملية للجاهل، و أمّا الاستصحاب فهو و إن كان لسان أدلّته لسان التنزيل و لها نظر إلى الواقع إلّا أنّ دليل الاستصحاب مثل قوله ٧ «لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ» لا بدّ أن يكون ناظراً إمّا إلى تنزيل الشكّ في البقاء منزلة القطع به، أو إلى تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن، و لا يعقل أن يكون ناظراً إلى كلا التنزيلين لاستلزامه اجتماع اللحاظين على ما تقدّم منه (قدس سره) في قيام الأمارات.
أقول يرد عليه:
أوّلًا: ما مرّ من أنّ الإشكال في المقام ليس هو الجمع بين اللحاظين، بل الإشكال أنّ الأدلّة