شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٨٢ - «الشرح»
..........
الخير من نجد الشرّ من جانبه تعالى و أنّه تعالى قد يحول بين المرء و بين أن يميل إلى الباطل و قد لا يحول و يخلّى بينه و بين الشيطان ليضلّه عن الحقّ و يلهمه الباطل، و ذلك نوع من غضبه يتفرّع على اختيار العبد العمى بعد أن عرّفه اللّه تعالى نجد الخير و نجد الشرّ فهذا معنى كونه تعالى هاديا و مضلا، و بالجملة أنّ اللّه يقعد أوّلا في أحد اذني قلب الإنسان ملكا و في أحد اذنيه شيطانا ثمّ يلقي في قلبه اليقين بالمعارف الضروريّة، فإنّ عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف و العمل بمقتضاها يزيد اللّه في توفيقه و إن عزم على إخفائها و إظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه و يخلّى بينه و بين الشيطان ليلقى في قلبه الأباطيل الظنّيّة، و هذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده، و قال شارح كشف الحقّ للرّدّ على الأشاعرة القائلين بأنّه تعالى هو الهادي و المضلّ مستدلّين بقوله تعالى «يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ»* أنّ هذا مدفوع بما فصّله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية و الضلالة و حاصله أنّ الهدى يستعمل في اللّغة بمعنى الدّلالة و الإرشاد نحو «إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ» و بمعنى التوفيق نحو «وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً» و بمعنى الثواب نحو «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمٰانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهٰارُ» و بمعنى الفوز و النجاة نحو لَوْ هَدٰانَا اللّٰهُ لَهَدَيْنٰاكُمْ» و بمعنى الحكم و التسمية نحو «أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللّٰهُ» يعني أ تريدون أن تسمّوا مهتديا من سمّاه اللّه ضالّا و حكم بذلك عليه، و الإضلال يأتي على وجوه أحدهما الجهل بالشيء يقال: أضلّ بعيره إذا جهل مكانه، و ثانيها الإضاعة و الإبطال يقال: أضلّه أي أضاعه و أبطله، و منه قوله تعالى «أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ»* أي أبطلها، و ثالثها بمعنى الحكم و التسمية يقال: أضلّ فلان فلانا أي حكم عليه بذلك و سمّاه به، و رابعها بمعنى الوجدان و المصادفة يقال:
أضللت فلانا أي وجدته ضالّا كما يقال: أبخلته أي وجدته بخيلا، و عليه حمل قوله تعالى «وَ أَضَلَّهُ اللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ» أي وجده و حمل أيضا على معنى الحكم و التسمية و على معنى العذاب، و خامسها أن يفعل ما عنده يضلّ و يضيفه إلى نفسه مجازا لأجل ذلك كقوله تعالى «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً» أي يضلّ عنده كثير، و سادسها أن يكون متعدّيا