شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٠٢ - الحديث الأول
يقولون
قال: هَبْ لِي مُلْكاً- الآية» و من عظيم ظلمه أنّه قتل صبرا مائة ألف و أربعين ألف رجل و ستيّن ألف امرأة و في سجنه مائة عشرون ألف و ضاقت سجونه حتّى صار يسجن في الحمّامات. و أجابوا عن قيام الحسين (عليه السلام) [١] و ابن الزبير و يزيد بأنّ عدم جواز القيام إنّما هو في الإمام العدل إذا حدث فسقه بعد انعقاد الخلافة له و أمّا الفاسق قبل عقدها فاتّفقوا على أنّها لا تنعقد لها و يزيد كان كذلك قبل انعقادها له، و قال الآبي: هذا ليس بشيء لأنّه و إن لم يجز عقدها للفاسق ابتداء لكنّه إن انعقدت و دفعت إليه صار بمنزلة من حدث فسقه بعد انعقادها فلا يجوز القيام عليه، و لا يخفى ضعف هذا القول [٢]. هذا ما ذكروه في كتبهم و في تفاسير أحاديثهم و أوصاف إمامهم و أنت إذا تأمّلت فيه علمت أنّ كلّ فاسق فاجر جاهل يصحّ أن يكون عندهم اولي الأمر و إماما مفترض الطاعة، ثم قول المازري يجب طاعة الإمام في جميع الامور إلّا في معصية يفيد أنّ المأموم لا بدّ أن يكون عالما بالأحكام و الشرائع ليعلم أنّ قول إمامه في هذا موافق للشرع فيطيعه و في ذاك مخالف له، و إن أراد وجب على المأموم طاعته في كلّ ما لم يعلم مخالفته للشرع سواء كان مخالفا للشرع في نفس الأمر أو لا لزم أن يأمرنا اللّه سبحانه بإطاعة الجاهل فيما هو جاهل و مخالف للشرع، فاعتبروا يا اولي الأبصار.
قوله (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطّٰاغُوتِ)
(١) قال الجوهري: الجبت كلمة تقع على
[١] قوله «عن قيام الحسين (ع) و ابن الزبير» ما تكلف به متكلموهم من الاجوبة أوهام نسجوها من غير معرفة بالواقع من الامور و الحقائق الثابتة فى التواريخ و الروايات المنقولة فى صحاحهم التى يعترف علماؤهم بها و الصحيح على مذهبهم ما ذكره عالم الحنابلة عبد الحى بن عماد و غيره من المطلعين غير المجازفين قال فى شذرات الذهب:
فما نقل عن قتلة الحسين و المتحاملين عليه يدل على الزندقة و انحلال الايمان من قلوبهم و تهاونهم بمنصب النبوة و ما أعظم ذلك فسبحان من حفظ الشريعة و شيد أركانها حتى انقضت دولتهم و على فعل الامويين و أمرائهم باهل البيت حمل قوله (ص) «هلاك امتى على ايدى اغيلمة من قريش». و قال التفتازانى فى شرح العقائد النسفية: اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين أو أمر به أو أجازه أو رضى به، قال و الحق أن رضا يزيد بقتل الحسين و استبشاره بذلك و اهانته اهل بيت رسول اللّه (ص) مما تواتر معناه و ان كان تفصيله آحادا قال فنحن لا نتوقف فى شأنه بل فى كفره لعنة اللّه عليه و على أنصاره و أعوانه انتهى. و ما أوقع كلام ابن العماد و ما أحسنه حيث تعجب بقاء الدين فى مدة ملك بنى امية و جعله خارقا للعادة و نسبه الى حفظ اللّه و الا فالسبب الظاهرى كان مقتضيا لان لا يبقى للدين اسم و اثر مع عداوتهم و تسلطهم ثمانين سنة أو أكثر.
و أما قيام ابن الزبير على بنى امية فمقتضى ما ذكره المتكلمون منهم فى شرائط الامام و البيعة ان يكون الامر بالعكس مما ذكروا هنا لان الناس بايعوا ابن الزبير قبل ان يتصدى مروان و ابنه عبد الملك للخلافة بل قبل أن يختلج ببالهما أنهما يصيران خليفة يوما بل بايع مروان، فيمن بايع ابن الزبير فكانت خلافة ابن الزبير عندهم خلافة صحيحة و ابن الزبير عندهم عادل جامع لشرائط الامامة و بيعته قبل بيعة مروان و عبد- الملك فكان مروان و عبد الملك خارجين عليه بغير حق و كان على المتكلمين ان يبدوا وجها لتصحيح عمل مروان و ابنه فى قيامهما على الامام العادل لا توجيه عمل ابن الزبير فى قيامه عليهما (ش)
[٢] قوله «لا يخفى ضعف هذا القول» عقد الامامة عندنا بالنص و عند العامة على ما فى المواقف بالنص و البيعة أيضا. لنا وجوه: الاول ان الامامة نيابة عن الرسول (ص) فلا يثبت بقول غيره. الثانى بيعة جميع الناس حضورا لواحد غير معقول و بيعة جماعة قليلة منهم لا توجب حجة على غيرهم و لا تستلزم وجوب قبولهم و طاعتهم. الثالث أن القضاء و ساير المناصب لا تثبت بالبيعة اجماعا فكيف الامامة الرابع ثبوت الامامة بالبيعة يؤدى الى الهرج و الفساد اذ يمكن أن يبايع أهل العقد و الحل فى بلد لرجل و فى بلد آخر لرجل آخر فيتنازعان كما اتفق بين عبد اللّه بن الزبير و عبد الملك بن مروان الخامس أن من شرائط الامامة العلم و العصمة و لا يعلم ثبوتهما فى رجل الا اللّه تعالى و هذا هو الدليل الّذي صرح به الامام (ع) فى هذا الحديث و الحديث السابق و يستفاد الوجوه الاخر أيضا من بعض ما سبق و قد اجابوا عن الوجه الاول بانا سلمنا أن الامامة نيابة عن اللّه و الرسول لكن البيعة علامة على حكم اللّه تعالى نظير الاجماع الدال على حكم شرعى و فيه انكم ما اقمتم على كون البيعة حجة تثبت به حكم كالاجماع و فى المواقف الواحد و الاثنان من اهل الحل و العقد كاف لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم فى الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لابى بكر و عقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان و لم يشترطوا اجتماع من فى المدينة فضلا عن اجتماع الامة هذا و لم ينكر عليهم احد انتهى، و هذا كلام يشهد نفسه بفساده و كيف لم ينكر عليهم أحد و الاختلاف فى الامامة مشهور بين أهل العالم و معروف بين ساكنى الاقاليم السبعة و فى نفس كتاب المواقف باب فى مسألة الامامة و دفع المخالفين بل قالوا اوّل اختلاف وقع فى الاسلام اختلافهم فى الامامة. و عن الوجه الثانى بان بيعة اهل البيعة علامة حكم اللّه تعالى فيجب على من لم يحضر القبول كالشاهد و القاضى فان حكمهما ثابت على من لم يشهد و فيه أنهم لم يقيموا دليلا على كون البيعة علامة على حكم اللّه تعالى و نعلم أن كثيرا من الصحابة الذين اعتقدوا صلابتهم فى الدين كمعاوية بن أبى سفيان و سعد بن وقاص امتنعوا من قبول خلافة أمير المؤمنين (ع) مع أن الذين بايعوه من أهل الحل و العقد بعد يوم الدار أكثر من الذين بايعوا أبا بكر يوم السقيفة أضعافا مضاعفة بشهادة المؤرخين، و تخلف عبد اللّه بن الزبير عن بيعة يزيد بن معاوية و واقعة الحسين بن على (عليهما السلام) معه مشهورة. و أما حجية الشاهد و القاضى على الغائب فسفسطة و الفرق بين الشهادة و البيعة ان صحة الشهادة لا يتوقف على رضا الشاهد و لا على رضا المشهود عليه، و البيعة الصحيحة تتوقف على رضى الطرفين كالوكالة و لا يدل رضا من بايع على رضى غيره، و أجابوا عن الوجه الثالث بانا لا نسلم عدم ثبوت القضاء بالبيعة الا مع وجود الامام و امكان الرجوع إليه و فيه أن هذا أيضا سفسطة لان المراد بثبوت القضاء بالبيعة أن بعض أهل البلد اذا نصب قاضيا بالبيعة و لو مع عدم امكان الرجوع الى الامام أو عدم وجوده وجب على أهل هذا البلد الخضوع لحكمه و قبول قضائه قهرا جبرا و هذا مما لا يختلج ببال أحد و لا يدل عليه دليل، نعم لا بأس بان يرجعوا الى رجل بالتراضى فيحكم بينهم بحكم الشرع. و أجاب شارح المواقف عن الرابع بأنه اذا بايع أهل بلد لرجل بالامامة و فى بلد آخر لرجل آخر حدث الفساد و الفتن لكن عدم وجود الامام اشد ضررا فيدفع بالاقل و فيه أنا لا نسلم كونه أشد ضررا بل يمكن أن يدعى خلافه لان النزاع و التخاصم بين الولاة و الحكام فى الملك و الخراج أشد ضررا و أكثر فتنة من التخاصم بين آحاد الرعية فى حب و نعل و ثوب مع أن هذا شيء لم يتفوه به عاقل من أول الخليقة الى عصرنا و كيف يمكن أن يوجب أحد كون الامام واحدا فى جميع الارض ثم يجوز لكل بلد أن يبايعوا رجلا للامامة المطلقة و يصححها و يأمر الناس جميعا باطاعة جميع هذه الامراء مع اختلافهم و مع ذلك يأمر أهل كل بيعة باطاعة امام بلده خاصة، و انما فر صاحب المواقف الى هذه الدعوى السخيفة لعدم وجدان مناص بتخلص به فلم يبال بالتزام المتناقضات.
و أجاب عن الخامس بأن أبا بكر كان إماما و لم يكن معصوما فثبت عدم وجوب العصمة و فيه أنه دور و مصادرة. (ش)