شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٧٣ - «الشرح»
..........
لا من صنع العباد لأنّ المعرفة لمّا لم تكن داخلة تحت قدرتهم كان عدمها أيضا غير داخل تحتها لأنّ عدم الملكة تابع للملكة، و أمّا الجهل المركّب فليس منه تعالى و من زعم أنّه منه فهو ذو جهل مركّب بل هو من الشيطان [١] و قال الفاضل الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة: هنا إشكال كان لا يزال يخطر ببالي في أوائل سنّي و هو أنّه كيف نقول بأنّ التصديقات فائضة من اللّه تعالى على النفوس الناطقة و منها كاذبة و منها كفريّة و هذا إنّما يتّجه على رأي جمهور الأشاعرة- القائلين بجواز العكس بأن يجعل اللّه كلّ ما حرّمه واجبا و بالعكس- المنكرين للحسن و القبح الذّاتيين لا على رأي محقّقيهم و لا على رأي المعتزلة و لا على رأي أصحابنا. و الجواب أنّ التصديقات الصادقة فائضة على القلوب بلا واسطة أو بواسطة ملك و هي تكون جزما و ظنّا و التصديقات الكاذبة تقع في القلوب بإلهام الشيطان و هي لا تتعدّى الظنّ و لا تصل إلى حدّ الجزم [٢] و في الأحاديث تصريحات بأنّ
[١] قوله «بل هو من الشيطان» و الشيطان مخلوق اللّه تعالى و الجهل المركب منه لكن خلقه نظير خلق ساير الشرور بالعرض على ما مر فى باب الخير و الشر و نظيره ازهاق روح الشهداء عند قتل الكفار اياهم فانه بأمر اللّه تعالى و مباشرة ملك الموت و ان كان فعل الكفار قبيحا و شرا و الجهل المركب الفائض على ذهن الغالط و المخطى بعد تركيب مقدمات فاسدة نظير ازهاق روح المؤمنين بقتل الكافر فان كان المتفكر الغالط مقصرا فى ترتيب المقدمات و كان جهله فى أمر الدين كان معاقبا نظير قاتل الشهداء و ان لم يكن مقصرا او كان خطاؤه فى أمر غير الامر الدينى كتناهى الابعاد و الجزء الّذي لا يتجزى فهو معذور. (ش)
[٢] قوله «و لا تصل الى حد الجزم» ان أراد بالجزم العلم و اليقين فهو حق لان الجهل المركب ليس علما و يقينا و المأخوذ فى العلم أن يكون موافقا للواقع و لكن المشهور المتداول فى عرف الناس اطلاق الجزم على الظن الّذي لا يلتفت الظان الى مخالفته للواقع أيضا اذ ربما يحصل لبعض الناس رأى و عقيدة لا يخطر ببالهم غيره حتى يلتفتوا الى احتمال كونه مخالفا للواقع و يجرون على ما ظنوا كما نرى من جزم الملاحدة بانكار المبدأ و المعاد و دليلهم انهما غير محسوسين لهم و لا ينتبهون لان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود و عوام اليهود و النصارى جازمون بمذهبهم تقليدا لآبائهم و قد رد اللّه تعالى عليهم جميعا و نبههم على خطائهم بقوله قالوا «مٰا هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ وَ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ» و قال تعالى «أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ» فنبههم على ان احتمال الخطاء على آبائهم قائم مركوز ذهنهم و مع هذا الاحتمال المغفول عنه جزمهم بالمظنون غير وجيه و العلم و الظن صفتان أو عرضان من عوارض ذهن الانسان يحصل بأسباب معينة و لا يمكن ان يحصل العلم من سبب الظن و لا الظن من سبب العلم كما لا يحصل الحرارة من الثلج و البرودة من النار فاذا كان سبب الرأى و الاعتقاد تقليد الاباء الذين يعترف المعتقد بعدم كونهم معصومين عن الخطاء فهذا التقليد يوجب الظن لا العلم لكن المعتقد أخطأ فى معاملة العلم مع هذا الظن و الجزم به لعدم الالتفات الى خلافه و كذلك اذا كان مستند الرأى ان عدم الوجدان يدل على عدم الوجود أو توهم انعكاس الموجبة الكلية كنفسها و أمثال ذلك مما يسمى جهلا مركبا قد يجزم المعتقد به من غير أن يعلم به و قال اهل المنطق و الاصول العلم هو الاعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع فالجزم الغير المطابق للواقع ليس علما بل هو ظن اى رجحان فى طرف و ان ضايق أحد فى تسميته ظنا فعليه ان يثبت واسطة بين العلم و الظن بان يقول الطرف الراجح مع احتمال المرجوح اما أن يكون المعتقد به ملتفتا الى احتمال المخالفة فهو الظن أو غير ملتفت و هو الجزم لكن فى القرآن الكريم أطلق الظن على جزم الدهرية بمذهبهم كما مر. (ش)