شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩٦ - الحديث الأول
خلق و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهد خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشروه و يحاجّهم و يحاجّوه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه، يعبّرون عنه إلى خلقه و عباده، و يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبّرون
متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق)
(١) المراد بالخالق هو الموجد على تقدير معلوم و وزن مخصوص، و بالصانع هو الموجد على تدبير و مصالح لا تغيب عمّن نظر إلى أحوال الحيوانات و النباتات و الجمادات و غير ذلك من المكوّنات و قد اشتمل على بعض ما في أعضاء الإنسان من المصالح و المنافع علم التشريح، و بالتعالي تعاليه عن مجانستنا و مشابهتنا و أزمنتنا و أمكنتنا و عن مشابهة شيء من المخلوقات بشيء من الذّات و الصفات كلّ ذلك يحكم به من له عقل صريح و قلب صحيح.
قوله: (و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهد خلقه و لا يلامسوه)
(٢) أشار بذلك إلى الموصوف بالصفات المذكورة للتنبيه على أنّه صار كالمشاهد المحسوس لأجل تلك الصفات و الحكيم هو العالم المتقن الّذي يعلم الأشياء كما هي و لا يفعل شيئا عبثا و إنّما يفعله لأمر ما، و إنّما قيّد الصانع بالحكمة و المتعالي بعدم جواز المشاهدة و الملامسة لأنّ جواب لمّا و هو ثبوت السفراء يتوقّف عليهما أمّا على الأوّل فلأنّه لو لم يكن حكيما لجاز أن يخلق الخلق عبثا [١] و لا يراد منهم شيئا فلا يحتاج إلى
[١] قوله «لو لم يكن حكيما لجاز أن يخلق الخلق عبثا» من الاصول المقررة فى مذهبنا وجوب اللطف على اللّه تعالى و هو فعل ما يقرب العبد الى الطاعة و يبعده عن المعصية و عليه يبتنى اثبات النبوة و الامامة و لو لم يكن اللطف لجاز أن يكون أمر التشريع مفوضا الى الناس يضعون كل حكم يرونه للعمل به فى معاملاتهم و سياساتهم و لم يفوض إليهم قطعا و قد استدل بهذا الاصل اعنى اللطف هشام بن الحكم فى وجوب نصب الامام كما يأتى ان شاء اللّه فى قصته مع عمرو بن عبيد و الشامى فى محضر الصادق (ع) و قد روى العلامة المجلسى- (رحمه اللّه)- فى البحار حديثا فيه فوائد كثيرة فى المجلد الثالث (الصفحة ٧٩) ننقله تبركا عن النبي (ص) قال: «قال اللّه تعالى من أهان لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة و ما ترددت عن شيء أنا فاعله فى قبض نفس المؤمن يكره الموت و اكره مساءته و لا بد منه و ما يتقرب الى عبدى بمثل اداء ما افترضت عليه و ما يزال عبدى يبتهل الى حتى أحبه و من احببته كنت له سمعا و بصرا و يدا و موئلا ان دعانى أجبته و ان سألنى أعطيته و ان من عبادى المؤمنين لمن يريد الباب من العيادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده و ان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا بالفقر و لو أغنيته لافسده ذلك و ان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا بالغنى و لو أفقرته لا فسده ذلك و ان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا بالسقم و لو صححت جسمه لا فسده ذلك و ان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح ايمانه الا بالصحة و لو أسقمته لا فسده ذلك، انى ادبر عبادى لعلمى بقلوبهم فانى عليم خبير انتهى. ثم انا نرى عناية اللّه تعالى فى كل شيء حتى انه لم يهمل البقة و النملة و ما هو أصغر منهما فخلق لها ما تحتاج إليه فى حياتها و معاشها فبالحرى أن يكون له عناية بالانسان خصوصا فيما يتعلق باشرف جزئيه و هو نفسه و قالوا ان الاحكام الشرعية لطف فى الواجبات العقلية لان ما يعرف الانسان بعقله حسنه و قبحه لا يستغنى فيه عن الشرع حتى يقربه الى امتثال حكم العقل اذا علم فيه ثوابا و عقابا اخرويين، فان قيل الا يمكن ان يكون اللّه تعالى مع كونه حكيما و لطيفا بعباده يرى المصلحة فى تفويض أمر التشريع الى الناس كما فوض إليهم فى الصنائع و الطب و العلوم الكونية و لم يبعث لذلك نبيا و مذهب النصارى كذلك حيث خلت انا جيلهم عن الاحكام و الشرائع و جعلوا امر التشريع على عهدة الحكومات يضعون القوانين على مقتضى بيئتهم و زمانهم مع اعترافهم بالصانع الحكيم؟ قلنا لا نسلم صحة ما عليه النصارى و و كونه مأخوذا عن المسيح (ع) و قد وردوا أن المؤمنين الاولين به (ع) كانوا يعملون بشريعة موسى (ع) حتى ظهر پولس و وضع عنهم العمل بالشريعة ثم ان التشريع لا يتم الا بتجويز العقوبات على المتخلفين كالقتل و الجرح و الحبس و التأديب و التعزير و مصادرة الاموال و غير ذلك مما فطر الانسان على تقبيحه الا اذا وقع على وجهه المرضى للّه تعالى و قد علم اللّه تعالى اختلاف الناس فى الآراء و فيما يجوز به العقوبة و الحق واحد لا اختلاف فيه فلا بد ان يكون اللّه تعالى راضيا بالحق و ساخطا على خلافه و أن يكون القاتل بغير حق مغضوبا للّه تعالى فكيف يمكن أن يبغض القتل و يرضى بتشريع الناس المستلزم للقتل بغير حق البتة و انما يناسب تجويز وضع القوانين مذهب الملاحدة المنكرين لوجوده تعالى. (ش)