شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢ - «الشرح»
..........
صدرت منهم و لو كانت الشقاوة و أسبابها من أفعاله تعالى لكانت نسبتها إليه تكميلا للحجّة و إتماما للمعذرة أنفع لهم
(و قال الشيطان «رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي)
(١) لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلّٰا عِبٰادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»
و إنّما لم يذكر (عليه السلام) تمام الآية مع أنّ الاستشهاد فيه [١] اكتفاء بالشهرة و حوالة على علم المخاطب به فنسبة الخبيث التزيين و إغوائهم إلى نفسه دلّ على اعترافه بأنّهما فعلان له و قدرته عليهما و أمّا قوله «بِمٰا أَغْوَيْتَنِي» فالباء إمّا للقسم و جوابه قوله «لَأُزَيِّنَنَّ» أو للسببيّة و القسم محذوف قبل هذا القول و «ما» مصدريّة و الإغواء بمعنى تخييبه تعالى إيّاه من رحمته بسبب التكبّر و ترك السجود أو بمعنى وجدانه إيّاه ضالّا في الأعيان بعد علمه بضلالته في الأزل، فانّ باب الإفعال قد يجيء بمعنى وجدان الفاعل المفعول على أصل الفعل كقولك أبخلته أي وجدته بخيلا، و المعنى اقسم
[١] قوله «مع أن الاستشهاد فيه» ليس الاستشهاد فى الاستثناء الّذي لم يذكره الامام بل فى قوله «رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي» و انما تكلف الشارح ليوافق ما ذكره فى تفسير القدرية و الحاصل أن أهل الجنة أنكروا التفويض و نسبوا الهداية الى اللّه تعالى و أهل النار نفوه و نسبوا ضلالهم الى شقوتهم و الشقوة بتقدير اللّه تعالى. و الشيطان نسب غوايته الى اللّه تعالى فكلهم أنكروا التفويض بنسبة ما هم عليه إليه تعالى و خطاء من أخطأ منهم انما هو فى نفى التفويض بحيث يلزم منه الجبر، و التفويض و الجبر كلاهما مبنيان على أصل فاسد و هو كون وجود الممكن مستقلا فى نفسه غير محتاج فى البقاء الى الواجب و لا متعلق به أصلا كموجودين ممكنين مستقلين لهما اقتضاء ان مختلفان لا يحتاج أحدهما فى التأثير الى الاخر، كالشمس تسخن و الثلج يبرد، و زيد يذهب الى المشرق، و عمرو الى المغرب. فان تمانع الممكنان فاما أن يجبر أحدهما الاخر بالقهر و يمنعه من اقتضائه، و اما أن يخليه و ما يقتضيه لعجز أو غيره و كذلك تصوروا الواجب و الممكن مستقلين فان غلب الواجب على الممكن فهو الجبر و ان خلاه و تركه فهو التفويض و الحق بطلان المبنى و ان الممكن يفعل ما يقتضي ذاته باذن اللّه و لا يمنعه اللّه من اقتضائه و ليس فعل الممكن ما يقتضي ذاته بأن يكون اللّه تعالى تركه و خلاه و انما النسبة بين الممكن و الواجب نسبة الخالق و المخلوق و قد مثلنا برئيس الجند و أفراد الجندية. (ش)