شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣ - «الشرح»
..........
الأشاعرة أيضا قالوا مثل ذلك حيث قالوا: إن كاسب الخير لا يقدر على الشرّ و بالعكس. الخامس أنّ المجوس يثبتون له تعالى شريكا و الأشاعرة أيضا يثبتون له شركاء حيث قالوا بوجود صفات زائدة قديمة غير مخلوقة فلزمهم القول بتعدّد الإله فهم أقبح من المجوس لأنّ المجوس يقرّون بشريك واحد و يسمّونه أهرمن و هم يقرّون بشركاء متكثّرة، و الأشاعرة لمّا لم يقدروا على إنكار الحديث المذكور نسبوا القدريّة و المجوسيّة إلى الفرقة العدليّة أعني المعتزلة و الاماميّة و قالوا العدليّة قدريّة و مجوسيّة لأنّهم قالوا قدرة العبد مؤثّرة موجدة لأفعالهم فهم قدريّة لقولهم بوجود القدرة المؤثّرة لغير اللّه تعالى، و مجوسيّة لجعلهم أنفسهم شركاء اللّه تعالى في الخلق و الايجاد كما أنّ المجوس جعلوا للّه تعالى شريكا.
الجواب أنّ تعدّد الشركاء إنّما يلزمهم لو لم يقولوا بأنّ العباد و قدرتهم مخلوقة للّه تعالى مغلوبة تحت قدرته القاهرة و هم يقولون بذلك، و بأنّ سلسلة جميع الموجودات منتهية إليه و هو فرد وحده لا شريك له. ثمّ أشار إلى أنّ المراد بالقضاء و القدر هنا هو الحكم و التكليف على التخيير دون الإجبار بقوله
(إنّ اللّه تبارك و تعالى كلّف تخييرا)
(١) بين الفعل و الترك
(و نهى تحذيرا)
(٢) لا إجبارا
(و أعطى على القليل)
(٣) من العمل
(كثيرا)
(٤) من الثواب كما قال: «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا) و لو كانوا مجبورين لم يكن لهم ثواب أصلا
(و لم يعص مغلوبا [١])
(٥) دفع
[١] قوله «و لم يعص مغلوبا» اذا أراد اللّه تعالى كون عباده مختارين فى أفعالهم و اختار بعضهم الشر فان قلنا ان فعل الشر بإرادة اللّه تعالى فمعناه ان الشر باختيار العبد و اختيار العبد بإرادة اللّه تعالى فينتج ان الشر بإرادة اللّه تعالى بهذا المعنى، و ان قلنا ان الشر ليس بإرادة اللّه فمعناه أنه لا يرضى بالشر و لا يحبه و بذلك يجمع بين ما يدل على أن الشر و الخير كليهما بإرادة و ما يدل على أن الشر ليس بإرادته. و لكن الناس يقيسون فعل اللّه على أفعال رؤسائهم و امرائهم لما ارتكز فى خاطرهم من أن الامير اذا أراد حصول شيء فى الخارج كبناء بلد و قهر عدو و القبض على سارق فان أطاعه الخدم و الاتباع فهو و الا أجبرهم و لا يترك الامر باختيار العبيد يفعلون ما أردوا فان لم يحصل مقصود الامير فلا بد ان يكون لعجزه اذ لم يقدر ان يجبرهم، و يقيسون فعل اللّه تعالى على ذلك و يقولون قد غلبت إرادة العباد إرادة اللّه تعالى اذا عصوه و عجز- و العياذ باللّه- عن انفاذ مقاصده و لا يصح ذلك لانه و ان كان لا يريد المعاصى و لكن يريدان يقع تركها باختيار العباد لا ان يقهرهم على الاطاعة كالجبارين بل يخلبهم و ما يفعلون و يأمرهم و ينهاهم و يهديهم الى مصالحهم حتى يحين حين المكافات و المجازات كالحكومات فى مدينة الاجتماع فى عصرنا لان الانسان خلق مختارا لا يترتب على وجوده آثاره الا اذا خلى و طباعه، و الانسان المجبور المقهور لا يقدر على ابداع صنعة و تحقيق حقيقة و كشف سر و لا يجهد فى زراعة و لا تجارة و لا يفكر و لا يتعقل كما لا ينمو الشجر تحت المركن و لذلك تركه اللّه تعالى و هو خالقه مختارا و ان لزم منه الشر و العصيان لكن فى اجباره شر أكثر أضعافا مضاعفة، و قال الحكماء: ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل شر كثير، و لكن الجبارين يقهر و نهم مع تساويهم فى العبودية و المخلوقية و قال اللّه تعالى «وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» «وَ لَوْ شٰاءَ لَهَدٰاكُمْ أَجْمَعِينَ» الى غير ذلك من الآيات. (ش)