شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٣ - الحديث الأول
(باب) (طبقات الأنبياء و الرسل و الائمة) (ع)
[الحديث الأول]
١- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم و درست بن أبي منصور عنه قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) الأنبياء و المرسلون على أربع
من كلام المعصوم و إنّما المستفاد من كلامه و هو أخذه من جميع الجهات، و يمكن حمله على وقوع الخروج بدون إذنه و إظهار كراهة ذلك شفقة عليه نظير ذلك أنّه لم يأذن لنا المعصوم بترك التقيّة في سبّه [١] فلو تركها أحد فقتل كان مرحوما مغفورا مثابا كما دلّ عليه بعض الرّوايات.
قوله (الأنبياء و المرسلون)
(١) الأنبياء جمع نبي بالهمزة أو بالياء المشدّدة و الأوّل بمعنى الفاعل مأخوذ من نبأ و هو الخبر سمّي به لأنّه مخبر عن اللّه تعالى ما أراده من الخلق. و الثاني فعيل بمعنى المفعول مأخوذ من النبوة و هي ما ارتفع من الأرض سمّي به لأنّه مرفوع القدر مشرف على الخلائق و الرّسول أعلى مرتبة و أعظم درجة من النبيّ كما ستعرفه: فذكره بعد النبيّ من باب ذكر الخاصّ بعد العام.
قوله (على أربع طبقات)
(٢) بعضها فوق بعض كما قال جلّ شأنه «وَ لَقَدْ فَضَّلْنٰا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلىٰ بَعْضٍ وَ آتَيْنٰا دٰاوُدَ زَبُوراً» ثمّ حصر الطبقات في الأربع لأنّه لم يوجد غيرها لا لأنّه لم يحتمل غيرها عقلا لأنّ الاحتمال العقلي زائد عليها [٢].
[١] قوله «بترك التقية فى سبه» و الاصح أن أمره بالتقية إباحة لا ايجاب و ليست التقية واجبة مطلقا الا اذا توقف عليها حفظ دم الغير و صيانة ماله و عرضه و أما حفظ نفسه فالتقية فيه رخصة الا اذا توقف حفظ الدين عليها أو على تركها؛ و لذلك لم يتق ميثم التمار و أمثاله- عليهم الرحمة- اذ لم يفهموا من الامر فى مقام توهم الحظر الا الاباحة للاشفاق على الشيعة. و أما الترديد فى سند الحديث و احتمال كونه موضوعا فليس بوجه إذ ليس فيه من يتهم و ان احتمل فيه السهو و الوهم و أمثال ذلك. (ش)
[٢] قوله «لان الاحتمال العقلى زائد عليها» و الوجه أن المقصود ذكر طبقاتهم فى الجملة كلية و ان كانت كل طبقة مشتملة على درجات عديدة، و بيان ذلك أن الانسان و كل موجود مرتبط مع المبدأ الاعلى نحوا من الارتباط كما سبق فى كتاب التوحيد «داخل فى الاشياء لا بالممازجة خارج عنها لا بالمباينة» و الفرق بين الانسان و الموجودات الاخر أنه مرتبط بالمبدإ فى شعوره و عقله لا فى اصل وجوده فقط المشترك فيه مع كل شيء و له قوى عديدة يدرك بها و أظهرها و أهمها السمع و البصر و العقل هى شديدة التوجه و الالتفات الى الدنيا و عالم المادة لان الناس غالبا يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و لم يكن المصلحة فى أن يفجر أمامه و يعاين عالم الغيب و هو بعد فى جلباب الطبيعة الا بمقدار أن يتعرف بوجوده فى الجملة ففتح اللّه تعالى من ذلك العالم على قلبه بابا فى المنام و لكل نفس طريق منه الى ذلك العالم يرى منه كشبح من بعيد يشتبه عليه حقيقته و يرى معه امورا يحتمل منه خطأ كخطاء الحس و لا يميز بين حقه و باطله و لكن وسع اللّه على قلوب الاولياء غير الحجج حتى يطلعوا على اكثر مما يطلع عليه غالب الناس و الاشتباه و الشك عليهم أقل و يختلف مراتبهم كما يختلف مراتب غيرهم فى كثرة الرؤيا الصالحة و وضوحها و ليس صرف ارتباط قلوب الاولياء بل و لا الحجج مع عالم الغيب نبوة كلما اشتد و قوى و أمنوا من الغلط و الاشتباه الا أوحى إليهم الامر و النهى سواء كان خاصا بأنفسهم أو بقومهم قليلا أو كثيرا أو لعامة الناس فقط أو لعامة الناس و الأنبياء الذين يأتون بعدهم و هذه مراتب و درجات فى الفضيلة و لا افضلية، ثم ان اتصالهم بعالم الغيب قد يكون بحيث يغلب حكم ذلك العالم على عقولهم فقط دون السمع و البصر لان العقل لكونه أقرب الى ذلك العالم لتجرده سريع الاتصال به و شديد الاستعداد له فيتصل بذلك العالم قبل ساير القوى فان كان قويا جدا اتصل به فى اليقظة و ان كان دونه اتصل به فى المنام حيث لا يشغله ساير الحواس عن ادراك الباطن و قد يكون اتصالهم بعالم الغيب بحيث يغلب حكمه على العقل مع السمع و قد يتجاوز ذلك فيغلب على البصر أيضا فان كان الغلبة على العقل فقط سمى الهاما و قد اطلق عليه الوحى فى القرآن و ان غلب مع ذلك على السمع سمع الصوت أيضا و ان غلب على البصر عاين الملك فى اليقظة و هذه مراتب متفاضلة لا يمكن أن يغلب على البصر من غير أن يغلب على السمع فى وقت أصلا أو يغلب على السمع من غير أن يغلب على العقل و لكن العكس ممكن بأن يغلب على العقل من غير أن يغلب على السمع و لا يمنع المرتبة العليا عن حصول المرتبة الدنيا كما لا يمنع كمال العلم فى العلماء أن يعرفوا الكتابة و الحروف و المقدمات و لذلك قد يتفق لاعاظم الأنبياء كإبراهيم (ع) أن يوحى إليهم فى المنام قال اللّه تعالى «وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلّٰا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ» و الوحى هو الالقاء فى القلب أعنى الالهام، و من وراء حجاب سماع الصوت من غير معاينة ملك أو يرسل رسولا من معاينة ملك، و لا بد للعاقل أن يتفكر فى هذه الآية و ينصف من نفسه و يقايس بين القرآن و قول سائر فصحاء العرب و هل كان لاحد منهم أن يفرق بين وجوه الوحى بهذه الدقة و البيان اين كلام النبي (ص) و كلام مسيلمة و الاسود العنسى و غيرهما (ش).