شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٧٨ - الحديث الأول
من أهل بيت نبيّه و عترته و ذرّيّته (صلوات اللّه عليهم): «أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» و إنّ العبد إذا اختاره اللّه عزّ و جلّ لامور عباده شرح صدره لذلك و أودع قلبه ينابيع الحكمة
النعماء و عليه مدار الرّسالة و التبليغ و الغرض المطلوب من إيجاد الإنسان. و من البيّن أنّ نائبه و القائم مقامه وجب أن يكون عالما بجميع ذلك لتصحّ النيابة و يتمّ الغرض فالجاهل بشيء من ذلك لا يصحّ أن يكون إماما.
قوله (أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ)
(١) اريد بالناس و بآل إبراهيم أهل البيت و العترة (عليهم السلام) و هم المحسودون بما آتاهم اللّه من فضله من العلم و العمل و العزّة و التقدّم على جميع الخلائق، و جعلهم ورثة الكتاب و الحكمة النبويّة و آتاهم ملكا عظيما و هي رئاسة الدّارين، فمن الامّة من آمن بما آتاهم و منهم من صدّ و أعرض عنه و لم يؤمن به، و كفاهم إن لم يعذّبوا في الدّنيا بجهنّم سعيرا أي نار مسعورة ملتهبة يعذّبون بها في الآخرة.
قوله (و إنّ العبد إذا اختاره)
(٢) دلّ على أنّه وجب أن يكون الإمام عالما بجميع مسائل الدّين و غيرها ممّا يحتاج إليه العباد باستعداد ذاتيّ و إيداع إلهيّ و إلهام ربانيّ حتّى لا يعجز بعده عن الجواب و لا يتعب به و لا يوقع في التحيّر فيه عن الصواب بالتشكيك و نحوه، و هذا مذهب الإماميّة و قال الآبي: كون الإمام على هذا الوصف غير معتبر فيه و إنّما المعتبر فيه كونه بحيث يقدر علي استنباط الحكم بالنصّ أو برأيه، و ردّ الآمدي على الإماميّة بأنّهم إن أرادوا بكون الإمام عالما بالجميع أن يكون متهيّأ قابلا للعلم به عند الحاجة من النصّ و الاستنباط، فهذا لا خلاف فيه [١] لأنّ عندنا يشترط أن يكون الإمام مجتهدا و
[١] قوله «فهذا لا خلاف فيه» ما ادعاه غير صحيح لانهم و ان اشترطوا أول الامر كون الامام عالما لكن قالوا بعد ذلك ان لم يكن حصوله مجتمعا مع سائر الشرائط ممكنا جاز اختيار الجاهل. و فى المواقف قيل لا يشترط هذه الصفات يعنى الاجتهاد فى الفروع و الاصول و الشجاعة و الرأى لانها لا توجد فيكون اشتراطها عبثا أو تكليفا بما لا يطاق و مستلزما للمفاسد التى يمكن دفعها بنصب فاقدها انتهى و هذا ظاهر فى عملهم لانهم متفقون على صحة إمامة بنى امية و بنى العباس مع عدم كونهم مجتهدين فقول الابى دعوى شهد أصحابه أنفسهم ببطلانها و انما ادعاها دفعا للاستهجان و تبريا من نسبة افحش المقالات الى أصحابه، و الحاصل أنهم ان أرادوا من الامام الوالى و الملك و الامير لا من البلاد و دفع الفتن فهذا حاصل بالبر و الفاجر و العالم و الجاهل و المؤمن و الكافر و قد يحصل فى دولة الكفار أمن و عدالة لم يحصل فى دولة الخلفاء كما نقل فى عهد اوكتاى من ملوك التتار و فى بلاد يحكم فيها النصارى عدل لا يخطر مثله ببال أحد من المسلمين و قد لا يصدقه من لم يعهد العدل أصلا فى بلاده، و ان أرادوا من الامام حفظ الدين و انفاذ أحكام اللّه تعالى و تقرير ما أراده تعالى من عباده بالحكمة و القدرة فهو شيء زائد على معنى الامير لا يتصور بدون العلم كما أن المعالج يجب أن يكون عالما بالطب فان لم يوجد لم يكف عنه غيره، و لا يجوز للضرورة تصدى غير الطبيب للعلاج، كذلك لا يحصل غرض الامامة من فاقد علم الدين و ان لم يوجد العالم به و سائر ما ذكروه هو سات باطلة و ترهات دعاهم الى نسجها حفظ عرض ملوكهم الموتى و تصحيح مظالمهم فى القرون الماضية، و انما يتملق من الاحياء لا من الاموات و لا داعى الى النظر فى أفعال الماضين الا بعين الحق فما الفائدة فى تبرئة معاوية و أمثاله من سائر الظلمة الماضين و اثبات الفضائل الدينية و الكمالات النفسانية بعد أن انقطعت يده من الكنوز و لا يرجى جوائزه و كان لمعاصريه عذر حين تملقوا له و لم يكن هو على ما قرره فى المواقف من شرائط الامام الا ملكا من ملوك العرب و التكلم فى أخلاقه و صفاته كالتكلم فى نعمان بن منذر و جذيمة الابرش، و الامام ان كان شيئا فوق الامير و الملك فهو ما يقوله الامامية و ان كان هو الامير و الملك فلا يشترط فيه شيء أصلا من الصفات التى ذكروها و ان كان فيه صفات فهو من قبيل حكم العقل فى امور الدنيا كاحتياج البستان الى الماء و البيت الى السقف. (ش)