شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٣ - الحديث الثاني
بخلقه، بل الخلق يعرفون باللّه، قال: صدقت، قلت: إنّ من عرف أنّ له ربّا، فينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الرّبّ رضا و سخطا و أنّه لا يعرف رضاه و
الهداية و المعرفة فموهبيّة كما قال: «إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ» بل الخلق يعرفون اللّه باللّه أي بهدايته و توفيقه، أو المراد أنّه أجلّ من أن يعرف بصفات خلقه مثل الجوهريّة و العرضيّة و الجسميّة و النوريّة و غيرها بل الخلق يعرفونه بما عرّف به نفسه من الصفات اللّائقة به و هو أنّه المبدأ المسلوب عنه صفات خلقه كما قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» و «لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» أو بل الخلق يعرفون الحقائق الممكنة و أحوالها باللّه أي بسبب خلقه إيّاها أو بسبب فيضانها منه على عقولهم، أو المراد أنّه أجلّ من أن يعرف حقّ المعرفة بالنظر إلى خلقه و الاستدلال بهم عليه بل الخلق يعرفون اللّه باللّه بأن ينكشف ذاته المقدّسة عند عقولهم المجرّدة و هذه المعرفة ليست لمّيّة لتعاليه عن العلّة و لا إنّيّة لعدم حصولها بتوسّط المعلول.
و بالجملة معرفة أهل الحقّ للحقّ حضور الحقّ بذاته لا بواسطة أمر آخر و هو مرتبة الفناء في اللّه و فيها لا يشاهد غير اللّه و إليها أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله «الحمد للّه المتجلّي لخلقه» و بعض الأولياء بقوله «رأيت ربّي بربّي و لو لا ربّي ما رأيت ربّي» و على الأخير يحتمل أن يقرأ «يعرفون» على صيغة المجهول يعني بل الخلق يعرفون بنور اللّه كما يعرف الذّرات بنور الشمس دون العكس و ليس نور اللّه في آفاق النفوس أقلّ من نور الشمس في آفاق السماء و إليه أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله «ما رأيت شيئا إلّا و رأيت اللّه قبله» و الظاهر أنّ قوله تعالى «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» إشارة إلى هذه المرتبة لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قد بلغ مقاما يرى فيه الرّبّ بالرّبّ و به استشهد على كلّ شيء.
قوله (من عرف أنّ له ربّا فقد ينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الرّب رضا و سخطا)
(١) أي أمرا و نهيا لعلمه بأنّه لم يخلقه عبثا و هما فينا صفتان متقابلتان تعرضان للنفس، توجبان انفعالها و تغيّرها و تحرّكها نحو الإحسان و العقوبة،