شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٩ - الحديث السابع
سبب شرحا و جعل لكلّ شرح علما و جعل لكلّ علم بابا ناطقا، عرفه من عرفه
للحوادث الإدراكيّة و موضوع للأحوال النفسانيّة، و هذه الحوادث و الأحوال الّتي هي المسمّاة بالعلوم و الخواطر لأنّها تخطر في القلب بعد أن كان غافلا عنها محرّكات للإرادات و الأشواق و أسباب لها و هي محرّكات للقوّة و القدرة و هي محرّكات للجوارح و الأعضاء و بسببها تظهر الأفاعيل في الخارج، و بتلك الأفاعيل يستحقّ المدح و الذّمّ و الثواب و العقاب. فمبدأ الفعل البشري هو الخاطر و الخاطر يحرّك الرّغبة و الشوق، و هي تحرّك العزم و النيّة؛ و هي تبعث القدرة؛ و القدرة تحرّك العضو فيصدر الفعل من هذه المبادي المترتّبة المتسبّبة كلّ ذلك بإذن اللّه تعالى و مشيّته؛ و هكذا جرت المشيّة الإلهيّة في أفعال العباد و من أنكر هذه الوسائط و عزل الاسباب عن فعلها فقد أساء الأدب [١] مع اللّه الّذي هو مسبّب الاسباب حيث رفع ما وضع اللّه سبحانه و عزل ما نصبه؛ ثمّ لمّا كانت تلك الخواطر و الأحوالات قد يكون خيرا و قد يكون شرّا و كانت الرّغبة و العزم قد يتعلّقان بما ينبغي أن يكون و قد يتعلّقان بما لا ينبغي أن يكون و كانت القدرة تعلّقها بالصحيح و الفاسد على السواء و كانت الأفعال الصادرة عن الجوارح قد تكون حسنة و قد تكون قبيحة؛ و كان الحسن و القبح في الأكثر مخفيّين اقتضت الحكمة الإلهيّة و اللّطيفة الرّبّانيّة نصب الرّسول و الأوصياء لهداية العباد إلى سبيل الرّشاد ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة و منه يظهر سرّ قوله عزّ شأنه «إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا».
قوله (فجعل لكلّ شيء سببا)
(١) مثلا جعل لاستحقاق القرب و الثواب منه تعالى سببا هي الطاعات و العبادات و جعل لهذا السبب شرحا [٢] هي الحدود و الكيفيّات و الشروط، و جعل لهذا الشرح علما و جعل لهذا العلم بابا ناطقا ينطق
[١] قوله «فقد اساء الادب مع اللّه» هذا تعبير الشيخ محيى الدين بن عربى فى الفتوحات. (ش)
[٢] قوله «جعل لهذا السبب شرحا» اذ ليس السبب أمرا مجملا مبهما بل له شرائط كما ترى فى الادوية لعلاج المرضى يشترط فى العمود الّذي به العلاج أن ينضم إليه أدوية اخرى تسهل جذبه أو يكسر عاديته و يشترط أن يراعى فيه الوقت و الاغذية التى تناسبه و لا تنافيه و حركة او سكون أو نوم و غير ذلك، كذلك أسباب العبادات و الامور الشرعية فيها شرائط يشترط فى تأثيرها. و بيان هذه التفاصيل شرح الاسباب و لا بد أن يكون فى الوجود علم و عالم بها.
(ش)