شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٦٤ - «الشرح»
..........
بها و العزم على العمل بمقتضاها، ثمّ قال في موضع آخر منها: قد تواترت الأخبار عن الأئمّة الاطهار (عليهم السلام) بأنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم كما تواترت بأنّ المعرفة موهبيّة غير كسبيّة و إنّما عليهم اكتساب الأعمال فكيف يكون الجمع بينهما؟ أقول: الّذي استفدته من كلامهم (عليهم السلام) في الجمع بينهما أنّ المراد بالمعرفة ما يتوقّف عليه حجيّة الأدلّة السمعيّة [١] من معرفة صانع العالم و أنّ له رضا و
[١] قوله «ما يتوقف عليه حجية الادلة السمعية» يعنى أن المعرفة التى هى من اللّه تعالى و لا يحتاج فيها الى التعلم و الكسب و النظر بل مفطورة فى القلوب هى معرفة صانع العالم و النبي (ص) يعنى اصول الدين و أما الّذي يحتاج الى التعلم هو علم الفروع و التكاليف و هذا شيء لم يلتزم به الشارح من أول الكتاب الى هنا خصوصا فى كتاب العقل و الجهل و هو مخالف للحس و العقل و الاجماع، أما الحس فانا لم نر فردا من أفراد الانسان كفى فيه فطرته عن تعلم اصول الدين و لو كان كذلك لم يكن فى الدنيا كافر او شاك أصلا. بل كل مؤمن فانما آمن بالتعليم و التربية و اما العقل فلان التشكيك و الاهمال كما يؤثر فى خروج بعض الناس عن فطرة التوحيد و النبوة باعترافه كما فى طوائف الكفار و المشركين كذلك يؤثر التعليم و التربية فى الايمان و التوحيد و ما ذلك إلا لأن الفطرة استعداد و قوة لا فعل و كمال كبذر الحنطة المستعدّ لأن يصير نباتا ان وافق الاسباب و أن يفسد و يبطل ان أهمل و ترك، و أما الاجماع فلا تفاق علمائنا جميعا من عصر الائمة (عليهم السلام) الى زماننا على تعليم التوحيد و النبوة و الامامة و التكلم فيها و الاحتجاج عليها و لم ينكر عليهم الائمة (عليهم السلام) بل شوقوهم و علموهم كما نعلم من هشام بن الحكم و الميثمى و مؤمن الطاق ثم المفيد و و السيد المرتضى و غيرهم و بما ذكر يعرف وجه الجمع بين كون المعرفة من قبل اللّه و بين الحث على النظر و الاستدلال بأن كون المعرفة فطرية بمعنى كون وجودها بالقوة و أنّ النظر و التعلم لتصييرها بالفعل أو بمعنى انه لا مؤثر فى الوجود الا اللّه تعالى و ان كل شيء حصل بأسبابه فانما وجوده منه تعالى كما مر فى الابواب السابقة و ان كان ذلك معرفة الفروع فهو من عند اللّه أيضا و انما الّذي يثقل على بعض الناس هذه الاصطلاحات المتداولة التى لا يعرفها العوام كالدور و التسلسل و الجمع بين النقيضين و أمثال ذلك و يتوهمون ان المعرفة لو كانت متوقفة على هذه الاصطلاحات لم يكن أحد من الناس مؤمنا. و الجواب أن العبرة بفهم معنى هذه الامور لا حفظ لفظها و نحن نعلم أن الدور و التسلسل مفهومان للعامة بالبديهة و يعترفون ببطلانها و ان لم يتداول عندهم ألفاظها فلو قيل لطفل: ان اختك ولدت امك ثم ان أمك ولدت اختك ضحك منه لعلمه ببطلان الدور و ان قيل له البيت مظلم و مضىء أنكر و ان قيل له اشعل هذا السراج من ذاك و ذاك من ذلك و هكذا من غير ان يكون عندك زناد قادح و نار و كبريت استحاله، و الانسان مفطور على ان كل ما بالعرض ينتهى الى ما بالذات لبطلان التسلسل. (ش)