شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٧ - «الشرح»
..........
لا شبهة في أنّ علمه بذلك أزليّ قبل الخلق و وجه ذكره هنا بعد الخلق ليكون فيه إشعار في الجملة بأنّ علمه تابع للمعلوم ليندفع ما يتبادر إلى الأذهان القاصرة من أنّ علمه مؤثّر في المعلوم و سبب له، و هو يبطل القدرة و الاختيار، بل التكليف أيضا لابتنائه عليهما حتّى أنّ الفخر الرازي أبطل هذه الشبهة و قال: لو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا حرفا إلّا بالتزام مذهب هشام و هو أنّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها
(و أمرهم)
(١) بالخيرات و المصالح
(و نهاهم)
(٢) عن الشرور و القبائح
(فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه)
(٣) و كذا ما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى فعله، و ذلك لإعطائهم القدرة الصالحة للضدّين و القوّة القابلة للطرفين، و هذا مذهب جميع العقلاء عدا الأشاعرة فانّهم قالوا: القدرة غير صالحة للضدّين و هذا باطل بالضرورة لأنّ القادر هو الّذي إن شاء أن يفعل فعل و إن شاء أن يترك ترك، فلو فرضنا قدرة انحصر تعلّقها بأحد الطرفين فقط دون الآخر لم يكن الموصوف بها قادرا
(و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلّا بإذن اللّه)
(٤) أي بتوفيقه لمن أقبل و عدمه لمن أدبر، أو بعدم إحداثه مانعا من الأخذ و الترك، أو بخلق القدرة عليهما، أو بعلمه بهما، أو بتخليته و يؤيّد الأخيرين ما رواه الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن عليّ بن محمّد العسكري (عليهما السلام) «أنّ أبا الحسن موسى (عليه السلام) قال: إنّ اللّه خلق الخلق فعلم ما هم صائرون، فأمرهم و نهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، و ما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلّا باذنه، و ما جبّر اللّه أحدا على معصية بل اختبرهم كما قال: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا»* قوله (عليه السلام): «و لا يكونون آخذين و لا تاركين إلّا باذنه» أي بتخليته و علمه. انتهى أقول: هذا التفسير أعني تفسير الاذن بالتخلية و العلم يحتمل أن يكون من العسكري (عليه السلام) و أن يكون من الشيخ (رحمه اللّه)، و فيه دلالة على أنّ أفعالهم بقدرتهم و اختيارهم و أنّ علمه الأزلي بها لا يستدعي أن لا يكون لهم قدرة و اختيار فيها إذ علمه متعلّق