شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٦٢ - الحديث الأول
و قال عزّ و جلّ: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ- الآية» و قال: «مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ.
يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا و لكنّي أختار ما أشاء فأنا و أهل بيتي صفوة اللّه و خيرته من خلقه، ثمّ قال: «سُبْحٰانَ اللّٰهِ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ» يعني تنزيه اللّه عمّا يشرك به كفّار أهل مكّة ثمّ قال: «وَ إِنَّ رَبَّكَ» يعني يا محمّد «لَيَعْلَمُ مٰا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ» من بغض المنافقين لك و لأهل بيتك «وَ مٰا يُعْلِنُونَ» من الحبّ لك و لأهل بيتك».
قوله (وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ)
(١) أي ما جاز لهم.
قوله (أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)
(٢) نفى عنهم الاختيار و أوجب عليهم الرّجوع إلى اختيار اللّه و اختيار رسوله في جميع امورهم و من جملته اختيار الامام، قيل: جمع الضمير الرّاجع إلى المؤمن و المؤمنة لعمومها من حيث أنّهما في سياق النفي.
قوله (و قال عزّ و جلّ: مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)
(٣) خاطب من حكم في اصول الدّين و فروعه [١] بمجرّد رأيه و هواه من غير أن يكون له دليل عقلي قطعيّ أو دليل نقليّ أو عهد من اللّه على تجويزه له ذلك الحكم أو تقليد ممّن يثق به و عيّرهم بذلك إذ كلّ حكم لا سند له بأحد هذه الوجوه باطل لا يعتقد به عاقل و من البيّن أنّ أمر الإمامة من أعظم أركان الاسلام فلا يجوز اختيار الخلق له بمجرّد الرأي من غير سند. قال القاضي و غيره: فيه تعجّب من حكمهم و استبعاد له و إشعار بأنّه صادر من اختلاف فكر و اعوجاج رأي.
قوله (أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ)
(٤) أي أم لكم كتاب
[١] «خاطب من حكم فى اصول الدين و فروعه» ذكرنا سابقا فى مبدأ كتاب الحجة أن امر التشريع ليس مفوضا الى الناس و هذه الآيات تدل عليه صريحا و قلنا ان المخالف فيه من لا يعتقد باللّه تعالى و ينكر الشرائع و يقول ان الانسان مكلف بوضع قوانين لحفظ العدالة و اصلاح امر المعاش و المتصدون لذلك عقلاؤهم و اهل حنكتهم فى الاجتماعيات و السياسات و أيضا النصارى يفوضون أمر الدنيا الى أهل الدنيا و لا يثبتون أحكاما دينية فى المعاملات و السياسات الا احكاما معدودة فى النكاح و الطلاق و أما المسلمون بجميع طوائفهم فيثبتون نصوصا كثيرة فى الاحكام لا يجوز التخلف عنها و العامة يجوزون للفقهاء فى غير المنصوص الفتوى بالقياس، و أما مذهب الامامية فعدم التفويض مطلقا فى حكم من الاحكام و لا معنى عندهم لاختيار جماعة يقررون قواعد و أحكاما يلتزمون بها كما فى بلاد الملاحدة و النصارى و لا معنى لذلك أيضا عند أهل السنة و الجماعة لانهم مكلفون بمتابعة نصوص الشرع و فتاوى العلماء. و يشمل هذه الآيات اختيار الامام اذ ليس مفوضا الى الناس و خالف فيه أهل السنة أيضا و الكلام فى ذلك يطول و قد بحث عنه علماؤنا و كتبوا كتبا و قرروا حججا لا تغنينا عن التكرار و التطويل. و البحث مع الملاحدة فى عدم تفويض اصل التشريع إليهم أهم و اولى للمسلمين و لم يحوموا حوله كثيرا لوضوحه فى الازمنة السالفة و قلة الملاحدة و واجب علينا فى زماننا لكثرتهم و غلبتهم و تأييد النصارى اياهم فى الباطن و لا حول و لا قوة الا باللّه العلى العظيم. (ش)