شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٧ - الحديث الأول
يوصف بكلّه أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه و يغني غناه، لا، كيف و أنّى؟ و هو بحيث النجم من يد المتناولين و وصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا و أين العقول عن هذا و أين يوجد مثل هذا؟! أ تظنّون أنّ
قوله (و كيف يوصف بكلّه أو ينعت بكنهه)
(١) أي بكلّ الوصف و بكنه النعت و الاستفهام للانكار لعدم القدرة على معرفة ذلك.
قوله (و يغني غناه)
(٢) [١] الامام من يغني الناس بكلّ ما طلبوه منه من أحوال المبدأ و المعاد و الشرائع و غيرها من الامور الكليّة و الجزئيّة الّتي بها يتمّ نظامهم في الدّنيا و الآخرة بحيث يستغنون عن الطلب من غيره و لا يوجد من يقوم مقامه و يغنيهم كذلك
قوله (لا)
(٣) تأكيد للنفي الضمني المستفاد من قوله «و كيف يوصف- إلى أخره» للمبالغة فيه.
قوله (كيف و أنّى و هو بحيث- الخ)
(٤) أي كيف يوصف بكلّه و أنّى ينعت بكنهه و الحال انه في غاية ارتفاع قدره و علوّ منزلته في مكان النجم و كما لا يصل إلى النجم أيدي الناظرين كذلك لا يصل إليه أيدي الأوهام المتوهّمين و هو عقول الواصفين. و فيه تشبيه معقول بمحسوس لزيادة الايضاح و الايماء إلى علّة الانكار.
قوله (أ تظنّون)
(٥) لمّا أشار إلى أنّ عقولهم قاصرة عن إدراك الامام و صفاته أشار هنا إلى بطلان ظنّهم أنّ الامام يوجد في غير آل الرّسول (صلى اللّه عليه و آله).
[١] قوله «و يغنى غناه» الفوائد العظيمة المترتبة على وجود الامام المعصوم المنصوب من اللّه تعالى لا تترتب على حكومة غيره البتة كيفما كان و قد ذكر العلماء بهذا الشأن أقسام الحكومة قديما و جديدا و لا يسعنا الآن تفصيل جميعها الا باشارة اجمالية الى بعض ما اشتهر عند الناس حسنها و رجحانها و لا ريب ان الحكومة القسرية و هى أن يكون الولاة جماعة مخالفة فى الآراء و الاهواء للمرءوسين و يقهروهم على قبول آرائهم مباينة لطبيعة الانسان فانه خلق مختارا و القهر على خلاف طبيعته و الانسان المقهور على خلاف آرائه كالنبات تحت خباء لا ينمو البتة و لا يورق و لا يثمر، و ان كانت الولاة صالحين و الامة فاسدة فشأن الصلحاء تعليم الناس الآراء المحمودة و الاخلاق الفاضلة حتى يستعدوا لقبول حكومة الصلحاء بطبعهم و الحكومة الطبيعية أن يكون الامة موافقة للولاة فى آرائها و أهوائها محمودة كانت أو مذمومة و على هذا فلا كلام الا فى اقسام الحكومة الطبيعية و هى تابعة لاقسام أهواء الناس و آرائهم قد ذكر الفارابى فى كتابه الموسوم بالسياسات المدنية بعد أن أخرج منهم الانسان غير المتمدن و سماهم نوابت الاجتماع و شبههم بالشيلم فى الحنطة مرة و بالبهائم اخرى و قال: انهم ليسوا مدنيين و لا تكون لهم اجتماعات مدنية أصلا قال: المدنيون على أنحاء كثيرة منها اجتماعات ضرورية، و منها اجتماع اهل النذالة فى المدن النذلة، و منها الاجتماع الخسيس فى المدن الخسيسة، و منها اجتماع الكرامة فى المدن الكرامية، و منها الاجتماع التغلبى فى المدن التغلبية، و منها اجتماع الحرية فى مدينة الجماعة و مدينة الاحرار. و شرح كل واحد منها و شرائط رئيسهم و وجوه معاشهم و آراء اممهم و أهوائهم و مفاسد كل و نكتفى بنقل ما ذكره فى مدينة الاحرار و هى الحكومة الديمقراطية فى اصطلاح عصرنا و بثبوت عدم كونها مدينة فاضلة تثبت عدم كون غيرها بطريق اولى و لعلنا نشير الى تفسير بعض ما ذكره فى موضع آخر.
قال ابو نصر الفارابى فأما المدينة الجماعية فهى المدينة التى كل واحد من أهلها مطلق مخلى بنفسه يعمل ما شاء و أهلها متساوون و يكون سننهم أن لا فضل لانسان على انسان فى شيء أصلا و يكون أهلها أحرارا يعملون بما شاءوا و هؤلاء لا يكون لاحد منهم على أحد منهم و من غيرهم سلطان الا أن يعمل فيما تزاد به حريتهم فتحدث فيهم اخلاق كثيرة و همم كثيرة و شهوات كثيرة و التذاذ باشياء كثيرة لا تحصى كثرة و تكون أهلها طوائف كثيرة متشابهة و متباينة لا يحصون كثرة (الى ان قال) و يكون من يرأسهم انما يرأسهم بإرادة المرءوسين و يكون رؤسائهم على هوى المرءوسين و اذا استعصى أمرهم لم يكن فيهم فى الحقيقة لا رئيس و لا مرءوس الا الذين هم محمودون عندهم (.....) و يكون جميع الهمم و الاغراض الجاهلية من هذه المدينة على أتم ما يكون و أكثر، و تكون هذه المدينة من مدنهم هى المدينة المعجبة و المدينة السعيدة (.....) و تكون محبوبة محبوب السكنى بها عند كل أحد لان كل انسان كان له هوى و شهوة ما قدر على نيلها من هذه المدينة فيهرع الامم إليها فيسكنونها فيعظم عظما بلا تقدير و يتوالد فيها الناس من كل جيل (...) و تجمع فيها الاهواء و السير كلها فلذلك ليس يمتنع اذا تمادى الزمان بها ان ينشأ فيها الافاضل فيتفق فيها وجود الحكماء و الخطباء و الشعراء فى كل ضرب من الامور و يمكن أن يتلقط منها أجزاء للمدينة الفاضلة و هذا من حين ما نشئوا فى هذه المدينة و لهذا صارت هذه أكثر المدن الجاهلية خيرا و شرا معا و كلما صارت أكبر و أعم و أكثر أهلا و ارحب و اكمل للناس كان هذان اكثر و اعظم. انتهى ما اردنا نقله من كتابه فى السياسات المدنية و قد وصف من قبل الف سنة المدن الديمقراطية الحاضرة كانه رآها و دخلها و سبر اهلها و لعل من نشأ و تربى مدة من عمره فى واشنكتن او لندن لم يقدر على وصف المدينة بهذه الصفة و بالجملة المدينة الجماعية فى اصطلاحه هى التى قبلها كثير من بلاد النصارى فى زماننا و حصل فيها ما ذكره الفارابى من وجود الحكماء و الخطباء و مع ذلك ليست هى عنده المدينة الفاضلة التى هى الغاية المقصودة لاجتماع الانسان و لا عند الشيعة الامامية فانها المدينة التى أهلها صالحون يجرى فيها أحكام اللّه تعالى المنزلة على رسوله بيد الامام المعصوم و مدينة الجماعة لا تخلو عن خطاء و غلط و استئثار و ان كانت تخلو عن الظلم و الفتن فى الجملة. (ش)