شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٧ - الحديث الأول
في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي و الأبصار، الامام البدر المنير، و السراج الزّاهر
قوله (الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة)
(١) [١] يقال: جلّل الشيء تجليلا أي عمّه و أحاطه، و المجلّل السحاب الّذي يجلّل الأرض بالمطر و يعمّها فقد شبّه الإمام من حيث أنّه مظهر لحقائق الإسلام و مبيّن لما هو المقصود منها و منوّر لعالم قلوب المؤمنين برفع الحجاب و الغشاوة عنها بالشمس الطالعة المنوّرة بنورها للعالم الحسّي تشبيها للمعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح و كما أنّ الشمس في الافق الحسّي بحيث لا تناولها أيدي العباد لارتفاعها و لا أبصارهم لكثرة ضيائها إذ الضوء الساطع يمنع من مشاهدة ما وراءها كذلك الامام في الافق العقلي و هو افق العقول بحيث لا تناله أيدي الأوهام و الخيالات و لا أبصار العقول لارتفاع قدره و كمال نوره و قد مرّ أنّ الحواس و العقول قاصرة عن إدراك حقيقة الامام و صفاته و الكلام بهذا التفسير مبنيّ على التشبيه المصطلح و لك أن تجعله استعارة تمثيليّة.
قوله (الامام البدر المنير- الخ)
(٢) الزّاهر المضيء يقال زهرت النار زهورا أي أضاءت و النور هو الظاهر بنفسه و المظهر لغيره و الساطع المرتفع و السطيع الصبح لأنّه يسطع عن الافق و الغياهب جمع الغيهب و هو الظلمة، و الدّجى جمع الدّجية بالضمّ و هي الظلمة و قد يعبّر بها عن اللّيل فالاضافة إمّا بيانيّة أو بتقدير «في». و الأجواز بالجيم و الزّاى المعجمة جمع الجوز و هو وسط كلّ شيء و الجيزة
[١] «الامام كالشمس الطالعة» لما ذكر (ع) شرائط الامامة و وظائفها فى حفظ الدين و صيانة أحكام اللّه تعالى و قد يذهب الوهم الى ان هذا يمكن لعقلاء الناس الصلحاء العدول و يجوز أن يختاروا من علموا منه العلم و الصلاح و القدرة و السياسة، بين (ع) بطلان هذا الوهم و ان هذه الشرائط بعيد المنال لا يمكن اجتماعها فى آحاد الناس و قد علمنا أن اجتماع الصفات الكثيرة فى رجل بحيث يستأهل منصبا أو يتعهد وظيفة أقل كثيرا من وظائف منصب الامامة أمر نادر غير محقق الوقوع الا بعد طى قرون كشاعر فصيح عالم حكيم قادر على بث مكارم الاخلاق و غرسها فى قلوب الناس، أو عالم دينى جامع بين المعقول و المنقول و الحفظ و دقة النظر و ذوق التفقه و قوة البيان و المهارة فى صنعة التحليل و الاقتصاد فى الاستدلال بحيث ينتفع بكتبه فانه قد لا يتفق بعد قرون و ربما يرى العامة عالما فى زمانهم و لا يحسبونه الا كاحدهم ثم يمضى الزمان و يعلو شأنه كلما مضى و ربما يمر مئات من السنين او ألف و لا يظهر مثله و مثل كتبه فيعرف أنه كان بمقام شامخ بعيد المنال كالشمس و القمر و النجوم و كانوا يحسبونه قريبا منهم كما ظن فرعون أنه يقدر ببناء الصرح أن يطلع الى السماء فلما بنى و علا فوقه رآها كما كان يراها من الارض و اذا كان هذا شأن أمثال العلامة و نصير الدين الطوسى و المحقق و الشهيد بل و الفارابى و أبى على بن سينا و أرسطو و افلاطون فكيف بمقام الامامة و شأنها و منصبها فالامام كالشمس يراها الناس قريبا منهم و هو فى مقام و مكانة لا يقدر أحد مقدارها و هل يمكن لاحد غير امير المؤمنين (ع) ان يتكلم بما نقل فى نهج البلاغة بحيث يخضع له البلغاء لبيانه و الحكماء لبرهانه و الفقهاء و ساير العلماء كل بما يناسب مهنته و كل يستحسنه و لم يأت احد بمثله و كذلك ساير علوم الائمة (عليهم السلام) و مع ذلك فاعتقادنا أن فى كل زمان يوجد رجل بهذه الصفات التى يشترط فى الامام لحاجة الناس الى مثله و عدم اخلال لطف اللّه تعالى و حكمته بهذا الواجب كما مر و الاحتياج إليه كاحتياج الضال فى البحر أو البر الى هاد و الظمآن الى ماء بارد الى آخر ما قال (ع) و كما أنه لم يهمل أمر السحاب و الغيث و خلق الشمس و السماء و الارض و العيون و الغدر و الرياض و طبع فى قلب الوالدين البر بالولد و المحبة كيف يمكن ان يهمل امر الامامة و لا يخلق رجلا بصفاتها مع ان احتياج الناس إليه اشد من احتياجهم الى ما ذكر. (ش)