شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٣ - الحديث الأول
و صلاح الدّنيا و عزّ المؤمنين، إنّ الامامة اسّ الاسلام النامي و فرعه السامي»
قوله (إنّ الإمامة زمام الدّين)
(١) الزّمام الخيط الّذي يشدّ في البرة أو في الخشاش ثمّ يشدّ في طرفه المقود و قد يسمّى المقود زماما و إضافة الزّمام إلى الدّين يتضمّن استعارة مكنيّة و تخييليّة و إسناده إلى الإمامة من باب حمل المشبّه به على المشبّه مبالغة في التشبيه و يحتمل أن يكون الجملة استعارة تمثيليّة و إسناد نظائرها الثلاثة إليها من باب إسناد المسبّب إلى السبب مبالغة في السببيّة و كون الإمامة زمام الدّين ظاهر لانّ ضبط الدّين و أهله إنّما يتحقّق بها و كذا كونه ممّا ينتظم به امور المسلمين و يحصل به صلاح الدّنيا و عزّ المؤمنين إذ لو لا الامامة لوقع الهرج و المرج [١] و القتل و الغارة و النهب و سبي الأولاد و حصل الفساد و العناد و الذّلّ و العجز في العباد.
قوله (إنّ الامامة اسّ الاسلام النامي)
(٢) الاسّ و الأساس أصل البناء، و
[١] قوله «لوقع الهرج و المرج» ما ذكره الشارح يندفع بالامام غير المعصوم أيضا و ان كان فاجرا و لا يكفى ذلك لاثبات الامامة التى نقول بها، نعم يكفى ذلك لرد قول الخوارج الذين لا يقولون بوجوب أمير أصلا كما ذكرنا، و انما نقول بثبوت الامامة لتحصيل المدينة الفاضلة اعنى أحسن أقسام الاجتماع كما ورد انه «يملأ الارض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا» و هى المدينة التى بحث عنها الفلاسفة و يطلبها جميع الامم و أول شروطها و أهمها ان يكون أهلها اصحاب الآراء المحمودة حتى يكون الولاة من سنخهم و يقبلون حكم امامهم من غير تبطؤ و نكير و من غير أن يكرههم الا نادرا من المتخلفين و العصاة و لذلك ابتدأ الفارابى فى بيان المدينة الفاضلة بذكر آراء اهلها لان الناس ان لم يكونوا معتقدين للآراء المحمودة لم يستقم أمر المدينة الفاضلة و لو كان الوالى إماما معصوما كما لم يستقم لامير المؤمنين (ع) و الحسن (ع) فى مدة إمامتهما الظاهرية بل المدينة الطبيعية التى يمكن البحث عن أمرها و آثارها و لوازمها و عن حكومتها و حسنها و قبحها و صلاحها و فسادها سواء كانت مدينة فاضلة أو جاهلة هى أن يكون الناس موافقى الرأى للوالى فان كان هو من أهل الفخر و العصبية أو الثروة أو اللذة أو الحرية كان الناس أيضا مطبوعين على ذلك و الا كانت المدينة القسرية و كما لا يبحث فى العلوم الطبيعية عن مقتضيات القواسر الاتفاقية لعدم امكان ضبطها و انما يبحث عن الامور الطبيعية المخلاة بنفسها كذلك المدينة لا يبحث عن القواسر فيها و كلام الامام (ع) «ان الامامة زمام الدين» يدل على ما قلنا فان الامامة لما كانت زمام الدين فلا يتعقل إمامة الا مع دين يعتقده الناس و يكون الامام مجريا لاحكام الدين الّذي يعتقدونه حتى يكون امرته طبيعية و عادلة معا و قد حكى عن اردشير بن بابك مؤسس دولة بنى ساسان ان الدين و الملك توأمان و كان هذا مبنى دولته حتى استقام له و لأولاده الملك مدة أربعمائة سنة مع بطلان دينهم لكن لما كان يجرى أحكاما يعتقد الناس كونها حقا من اللّه موجبة لسعادتهم فى الآخرة سهل عليهم اطاعته و عليه تنفيذ حكمه بخلاف ما لو لم يكن مجريا لما يتدين به الناس.
و بالجملة فكلام الامام (ع) «الامامة زمام الدين» أصل من اصول علم الاجتماع و العمران و قاعدة من قواعد السياسة أدل على المقصود من كلام من قال الدين و الملك توأمان اذ ليسا شيئين منفردين حتى يطلق عليهما التوأمان بل يتوقف كل منهما على الاخر بحيث لا دين الا بامام ينفذه و لا امام الا بدين يلتزم به الناس. (ش)