شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤ - «الشرح»
..........
على المشيّة و ما عطف عليها للتنبيه على أنّ تعلّقها بأفعالنا ليس من قبيل تعلّق العلّة بالمعلول و السبب بالمسبّب، ثمّ أشار إلى تفسير هذه الامور بوجه يفيد انتفاء السببيّة
(فقال: يا يونس تعلم ما المشيّة)
(١) حتّى تعلم أنّها ليست سببا [١] لأفعالنا
(قلت: لا، قال: هي الذّكر الأوّل)
(٢) أي العلم الأزلي السابق على الإرادة المتعلّق بالاشياء على ما هي عليه في نفس الأمر فهي تابعة لتلك الأشياء بمعنى أنّها مطابقة لها و أنّ الأصل في هذه المطابقة هو تلك الأشياء حتّى أنّها لو لم يتحقّق لما تعلّق العلم بوجودها و المشيّة بهذا المعنى ليست سببا لها كما أنّ علمنا بطلوع الشمس غدا ليس سببا لطلوعها
(فتعلم ما الإرادة قلت: لا، قال: هي العزيمة على ما يشاء [٢])
(٣) يعني البقاء عليه لوجوب بقاء العلم مع المعلوم فالإرادة وصف للمشيّة
[١] قوله «و المشيئة بهذا المعنى ليست سببا» قد سبق كما قلنا فى الحاشية السابقة ان المشيئة سبب و يبعد كل البعد أن يكون المشيئة فى هذا الحديث غيرها فيما سبق و أن تمحل الشارح فيما سبق فى تفسير المشيئة و الّذي ينبغى أن يحمل عليه كلام الامام (ع) هنا و هناك أن المشيئة شيء مخلوق و المخلوق غير ذات اللّه تعالى ثم انه الواسطة الوحيدة بينه تعالى و بين ساير خلقه بحيث لا يلزم منه تفويض اللّه تعالى فعله الى مخلوقه فهى أول ما خلق اللّه تعالى قد سمى لوحا أو قلما أو عقلا أولا أو نور خاتم الأنبياء او الوجود المنبسط السارى و مصحح هذه الاطلاقات الاعتبارات المختلفة فى المخلوق الاول فباعتبار أنه الوجود المنبسط و الوجود خير محض مرغوب فيه مشتهى بالذات و العدم و الموت منفور منهما صح اطلاق المشيئة عليه و باعتبار أنه يدرك نفسه ذاتا و جميع الاشياء بذاته سمى عقلا و ذكرا كما فى هذا الحديث و مثله ساير الاطلاقات و يمكن أن يكون اطلاق المشيئة عليه باعتبار أنه محل المشيئة فان جميع ما أراد اللّه تعالى ايجاده فى العالم منتقش فيه و هو بهذا الاعتبار الذكر الاول لانه محل الذكر كما يطلق على الدعاء المكتوب و الذكر المكتوب (ش)
[٢] قوله «هى العزيمة على ما يشاء» هذا الفرق الدقيق بين المشيئة و الإرادة غير مراعى غالبا كاكثر فروق اللغة فقد يتسامح الناس فيها و الحق ما ذكره (ع) لان الانسان يجد فى نفسه بع سماع كلمة شاء شيئا و بعد كلمة أراد شيئا آخر، فان «شاء» يدل على رغبته فى شيء و رضاه به و لا يدل على عزم فى تحصيله أو تيهؤ و استعداد له بخلاف أراد فكانه يدل عليا لعزم و التهيؤ، قال صدر المتألهين فى شرح حديث مضى باب البداء:
المشيئة المراد بها مطلق إرادة سواء بلغت حد العزم و الاجماع أم لا، و قد ينفك المشيئة فينا عن الإرادة الجازمة كما نشتاق أو تشتهى شيئا و لا نعزم على فعله لمانع عقلى او شرعى.
قال (قدّس سرّه) و الإرادة هى العزم على الفعل أو الترك بعد تصوره و تصور الغاية المترتبة عليه من خبر أو نفع أو لذة و لكن الله تعالى بريء من أن يفعل لاجل غرض يعود الى ذاته انتهى و ما فى هذا الحديث يؤيد تفسيره (قدّس سرّه) و أن المشيئة مقدمة على الإرادة فالمشيئة نظير الشوق فينا و الإرادة نظير التصميم و الاجماع و ذاته تعالى منزه عن التجزى و التكثر و هذه المعانى متحدة حقيقة متغايرة اعتبارا كسائر صفاته تعالى او يطلق باعتبار بعض الملائكة المقربين إليه كما مضى نظيره فى الصفحة ٣٠٥ من المجلد الرابع فيكون الذكر الاول عند بعض ملائكته الغير الموكلين باجراء ما أراده و العزيمة عند الموكلين بالاجراء «فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً» (ش).