شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥ - «الشرح»
..........
الموكّل أمره إلى وكيله المطلق الّذي يتصرّف فيه من غير حاجة إلى تصرّف الموكّل و تدبيره و إذنه في أوان التصرّفات الكلّيّة و الجزئيّة. و فيه ردّ على المفوّضة و قد عرفت أنّهم يقولون بأنّه تعالى أقدرهم على أعمالهم على وجه لا يكون له تعالى بعده قضاء و إرادة و إذن و تصرّف و تدبير و لطف و إعانة في تلك الأعمال، و بالجملة يقولون: خرجت أزمّة مقدوراتنا ما دام الأقدار عن يد قدرته، فأخرجوا بهذا الاعتقاد الفاسد السلطان المطلق عن التصرّف في ملكه و عزلوه عن التدبير في عباده و بلاده. و للتفويض معان اخر يجيء ذكرها في بعض المواضع إن شاء اللّه تعالى. و انظر أيّها اللّبيب إلى لطف كلامه (عليه السلام) حيث أبطل بقوله «إنّه لو كان كذلك- إلى قوله- و مجوسها» مذهب الجبريّة الواقع في طرف الافراط و أبطل بقوله «و لم يملك مفوّضا» مذهب المفوّضة الواقع في طرف التفريط و أثبت مذهب العدليّة المتوسّط بين هذين الطرفين و الواقع بين هذين المذهبين و هو الأمرين الأمرين كما أشار إليه بقوله «إنّ اللّه كلّف تخييرا»
(و لم يخلق السموات و الأرض و ما بينهما باطلا)
(١) كما قال سبحانه «وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ مٰا خَلَقْنٰاهُمٰا إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ» و فيه إشارة إلى مفسدة اخرى من مفاسد الجبر و هي تجويز أن يكون خلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا لغوا لأنّ اللّغو و إن كان قبيحا لكن الجبر يوجب صدور جميع القبائح منه تعالى
(و لم يبعث النبيّين مبشّرين و منذرين عبثا [١])
(٢) إشارة إلى مفسدة اخرى و هي أنّه
[١] قوله «مبشرين و منذرين عبثا» العبث فعل لا يفيد فائدة و لا ينتج نتيجة لان اللّه تعالى يجرى بناء على الجبر كل عمل أراد على يدى كل انسان أراد فلا فائدة فى ارسال الرسل كما نرى فى الامور التكوينية كحركة النبض و التنفس و جريان الدم فى العروق و هضم الغذاء و دفع الفضل فانه يجرى على ما أراد اللّه تعالى فى الانسان و الحيوان و لا يعقل أن يرسل رسولا يأمرهم بان يحركوا نبضهم و يهضموا طعامهم بل التأمل فى أفعالنا يكفى فى الفرق بين الجبر و الاختيار و الاعتراف بان فعل الانسان باختياره اذ لا ريب أن الانسان يعرف في ذاته مبدأين لفعلين متخالفين الاول قوة تحرك نبضه و نفسه و تهضم و لا تسطيع الانسان أن يمنع من فعلها اصلا و ان عجزت القوة لا يستطيع أن يقهرها و الا لجاز أن يسلم المريض باختياره، و الثانى قوة تحرك عضلاته و جوارحه باختياره كالمشى و هذان المبدأ ان متخالفان ربما يتمانعان كفاعلين متضادين فيريد الانسان ان يثبت خمسة أذرع فى الهواء أو يطير و يفوق على السطح و يمنعه ثقله فيسقطه على الارض فيغلب المبدأ الاختيارى فى الوثوب مقدارا قليلا ثم يغلب المبدأ الغير الاختيارى عليه و بذلك يستدل على ان النفس غير الجسد و الا لكان أحدهما متسلما للآخر و مطيعا له منقادا و ليس فى القوى الطبيعية التكوينية اختيار أصلا بل فيها الجبر فقط و لو كان النفس عين الجسد أو حالة من حالاته أو عارضا لمزاجه لتبعه فى الجبر و لم يمانعه و لم يضاده، و ان قلنا ان الجبر من لوازم مذهب الملاحدة و الطبيعيين و الاختيار من لوازم دين الموحدين و الالهيين لم نقل جزافا لانا لا نعرف من الطبيعة غير الشاعرة الا الجبر و لا يتصور فيها الاختيار أصلا و لما وجدنا فى أنفسنا مبدأ الاختيار و اذ ليس جميع أفعالنا نظير حركة النبض عرفنا ان فينا مبدءا غير جسمانى و ليس المؤثر فى الوجود منحصرا فى الطبيعة الجسمانية غير الشاعرة و ان ما ليس فى ذاته جسما أو جسمانيا كالعقول فهو الاختيار المحض و اللّه تعالى ليس عنده جبر. (ش)