حاشية فرائد الأصول - تقريرات - اليزدي النجفي، السيد محمد إبراهيم - الصفحة ٧٦ - الأول الكلام في التجرّي
و إذا تمهّد ذلك فنستدل على حرمة التجرّي بأنّ التجرّي و العصيان الحقيقي مشتركان في كونهما هتكا للمولى و جرأة عليه و تمرّدا له في تكاليفه و عدم المبالاة بشأنه، و هذا هو القبيح الصدوري الذي قد مرّ آنفا، و يفترقان في مصادفة فعل العاصي للمحرم الواقعي دون المتجرّي، و قد أثبتنا أنّ منشأ استحقاق العقاب في العصيان الحقيقي ليس كونه حراما واقعا بدليل معذورية الجاهل و الناسي و المضطرّ و غيرهم من ذوي الأعذار، فلم يبق إلّا أنّ المنشأ هو
المكلّف، و يمكن أن يكون من جهة حسنه أو قبحه من حيث صدوره عن المكلّف في مقام الإطاعة و المعصية.
و بعبارة أخرى: منشأ استحقاق الثواب و العقاب هو الفعل بالمعنى المصدريّ أو الفعل بمعنى اسم المصدر يعني نفس الحدث من جهة الحسن و القبح بالموافقة و المخالفة؟
الأقرب هو الأوّل، يشهد بذلك ما يتراءى في عكس التجرّي و هو أن يأتي المكلف بما هو مبغوض المولى جهلا أو سهوا أو نسيانا، فإنّه لا يستحق العقاب معلّلا بأنّه لم يصدر منه الفعل المبغوض لعذره، و إن وجد في الخارج مبغوضه و كان بفعل المكلف أيضا لكنه غير مبغوض من حيث صدوره منه بل من حيث كون نفس الفعل قبيحا، و يشهد له أيضا ما اتفقوا ظاهرا من حرمة التشريع، فإنّ الفعل الذي يتحقّق في ضمنه التشريع لا قبح فيه في نفسه بل قد يكون حسنا و مندوبا شرعيا كالغسلة الثانية في الوضوء و مع ذلك حرام شرعيّ و قبيح عقلي، و ليس إلّا لأنّه صدر بعنوان المكابرة مع المولى و جعل نفسه حاكما في قباله، و نظيره حسن الفعل الذي يتحقق في ضمنه الاحتياط و إن لم يكن فيه حسن في نفسه بل و إن كان مرجوحا في حدّ نفسه.
نعم على مذهب من يقول إنّ معنى حرمة التشريع حرمة القصد و الاعتقاد بكون ما ليس من الدين في الدين، و لا يؤثّر الحرمة في الفعل على وجه التشريع لم يكن شاهدا لما نحن بصدده، لكنّه خلاف مختار الأكثرين.
أقول: لو لم يثبت حرمة التشريع و حسن الاحتياط شرعا كما ثبت كان حالهما حال التجرّي في حكم العقل سواء، و لو فرض حكم العقل بقبح التشريع دون التجرّي فلعله من جهة أنّ العبد تشبّه بالمولى في جعل الأحكام و التحليل و التحريم، و ذلك زائد على جهة مخالفة المولى في تكاليفه كما لا يخفى.