تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٦٠ - ذكر خبر غلبه ابى العباس بن الموفق على سليمان بن جامع
الزنج قد جمعوا و استعدوا لكبس عسكره، و انهم على اتيان عسكره من ثلاثة اوجه، و انهم قالوا: انه حدث غر يغر بنفسه، و اجمع رأيهم على تكمين الكمناء و المصير اليه من الجهات الثلاث التي ذكرنا، فحذر لذلك، و استعد له، و أقبلوا اليه و قد كمنوا زهاء عشره آلاف في برتمرتا و نحوا من هذه العده في قس هثا و قدموا عشرين سميريه الى العسكر ليغتر بها اهله، و يجيزوا المواضع التي فيها كمناؤهم، فمنع ابو العباس الناس من اتباعهم، فلما علموا ان كيدهم لم ينفذ، خرج الجبائي و سليمان في الشذوات و السميريات، و قد كان ابو العباس احسن تعبئه اصحابه، فامر نصيرا المعروف بابى حمزه ان يبرز للقوم في شذواته، و نزل ابو العباس عن فرس كان ركبه، و دعا بشذاه من شذواته قد كان سماها الغزال، و امر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذافين لهذه الشذاه، و ركبها، و اختار من خاصه اصحابه و غلمانه جماعه دفع اليهم الرماح، و امر اصحاب الخيل بالمسير بازائه على شاطئ النهر، و قال لهم:
لا تدعوا المسير ما امكنكم الى ان تقطعكم الانهار، و امر بتعبير بعض الدواب التي كانت ببردودا، و نشبت الحرب بين الفريقين، فكانت معركه القتال من حد قريه الرمل الى الرصافه، فكانت الهزيمة على الزنج، و حاز اصحاب ابى العباس اربع عشره شذاه، و افلت سليمان و الجبائي في ذلك اليوم بعد ان اشفيا على الهلاك راجلين، و أخذت دوابهما بحلاها و آلتها، و مضى الجيش اجمع لا ينثني احد منهم حتى وافوا طهيثا، و أسلموا ما كان معهم من اثاث و آله، و رجع ابو العباس، و اقام بمعسكره في العمر، و امر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذا و السميريات و ترتيب الرجال فيها، و اقام الزنج بعد ذلك عشرين يوما، لا يظهر منهم احد و كان الجبائي يجيء في الطلائع في كل ثلاثة ايام و ينصرف، و حفر آبارا فوق نهر سنداد، و صير فيها سفافيد حديد، و غشاها بالبواري، و اخفى مواضعها، و جعلها على سنن مسير الخيل ليتهور فيها المجتازون بها، و كان يوافى طرف العسكر متعرضا لأهله، فتخرج الخيل طالبه له، فجاء في بعض ايامه، و طلبته الخيل كما كانت تطلبه، فقطر فرس رجل من قواد الفراغنه في بعض تلك الابار، فوقف اصحاب ابى العباس بما ناله من