تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٠٤ - ذكر غاره البجه على حرس من ارض مصر
الذى كان بينها و بين المسلمين، و خرجت من بلادها الى معادن الذهب و الجوهر، و هي على التخوم فيما بين ارض مصر و بلاد البجه، فقتلوا عده من المسلمين ممن كان يعمل في المعادن و يستخرج الذهب و الجوهر، و سبوا عده من ذراريهم و نسائهم، و ذكروا ان المعادن لهم في بلادهم، و انهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها، و ان ذلك اوحش جميع من كان يعمل في المعادن من المسلمين، فانصرفوا عنها خوفا على انفسهم و ذراريهم فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان بحق الخمس من الذهب و الفضه و الجوهر الذى يستخرج من المعادن، فاشتد انكار المتوكل لذلك و احفظه، و شاور في امر البجه، فانهى اليه انهم قوم اهل بدو و اصحاب ابل و ماشيه، و ان الوصول الى بلادهم صعب لا يمكن ان يسلك اليهم الجيوش، لأنها مفاوز و صحارى، و بين ارض الاسلام و بينها مسيره شهر، في ارض قفر و جبال وعر، لا ماء فيها و لا زرع و لا معقل، و لا حصن، و ان من يدخلها من أولياء السلطان يحتاج ان يتزود لجميع المده التي يتوهم ان يقيمها في بلادهم الى ان يخرج الى ارض الاسلام، فان امتد به المقام حتى يتجاوز تلك المده هلك و جميع من معه، و اخذتهم البجه بالأيدي دون المحاربة، و ان ارضهم ارض لا ترد على السلطان شيئا من خراج و لا غيره.
فامسك المتوكل عن التوجيه اليهم، و جعل امرهم يتزيد، و جرأتهم على المسلمين تشتد حتى خاف اهل الصعيد من ارض مصر على انفسهم و ذراريهم منهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله المعروف بالقمى محاربتهم، و ولاه معاون تلك الكور- و هي قفط و الأقصر و اسنا و ارمنت و اسوان- و تقدم اليه في محاربه البجه، و ان يكاتب عنبسة بن إسحاق الصبى العامل على حرب مصر و كتب الى عنبسة باعطائه جميع ما يحتاج اليه من الجند و الشاكريه المقيمين بمصر.
فازاح عنبسة علته في ذلك، و خرج الى ارض البجه، و انضم اليه