تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦١٩ - ذكر خبر اصابه الموفق
و دور اصحابه، فتسهل ما كان يصعب بعد محاربه طويله و شده، فهدم البناء الذى كان الخبيث سماه مسجدا، و وصل الى منبره فاحتمل، فاتى به الموفق، و انصرف به الى مدينته الموفقيه جذلا مسرورا ثم عاد الموفق لهدم السور فهدمه من حد الدار المعروفه بانكلاى الى الدار المعروفه بالجبائى.
و افضى اصحاب الموفق الى دواوين من دواوين الخبيث و خزائن من خزائنه، فانتهبت و احرقت، و كان ذلك في يوم ذي ضباب شديد، قد ستر بعض الناس عن بعض، فما يكاد الرجل يبصره صاحبه فظهر في هذا اليوم للموفق تباشير الفتح، فإنهم لعلى ذلك، حتى وصل سهم من سهام الفسقه الى الموفق، رماه به غلام رومي كان مع الفاسق يقال له قرطاس، فاصابه في صدره، و ذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الاولى سنه تسع و ستين و مائتين، فستر الموفق ما ناله من ذلك السهم، و انصرف الى المدينة مع الموفقيه، فعولج في ليلته تلك من جراحته، و بات ثم عاد الى الحرب على ما به من الم الجراح، يشد بذلك قلوب اوليائه من ان يدخلها وهم او ضعف، فزاد ما حمل نفسه عليه من الحركة في قوه علته، فغلظت و عظم امرها حتى خيف عليه، و احتاج الى علاجه باعظم ما يعالج به الجراح، و اضطرب لذلك العسكر و الجند و الرعية، و خافوا قوه الفاسق عليهم، حتى خرج عن مدينته جماعه ممن كان مقيما بها، لما وصل الى قلوبهم من الرهبه، و حدثت في حال صعوبة العله عليه حادثه في سلطانه، فاشار عليه مشيرون من اصحابه و ثقاته بالرحله عن معسكره الى مدينه السلام، و يخلف من يقوم مقامه، فأبى ذلك، و خاف ان يكون فيه ائتلاف ما قد تفرق من شمل الخبيث فأقام على صعوبة علته عليه، و غلظ الأمر الحادث في سلطانه، فمن الله بعافيته، و ظهر لقواده و خاصته، و قد كان اطال الاحتجاب عنهم، فقويت بذلك منتهم، و اقام متماثلا مودعا نفسه الى شعبان من هذه السنه، فلما ابل و قوى على النهوض لحرب الفاسق، تيقظ لذلك، و عاود ما كان مواظبا عليه من الحرب، و جعل الخبيث لما صح عنده